الإجهاض غير الآمن يهدد حياة اللاجئات السوريات

منصة عين

مصدر الصورة: Shutter Stock

أسباب عديدة تدفع اللاجئات السوريات في تركيا للجوء الى الإجهاض المتعمد، بعضها بسبب الأزمات المعيشية والفقر، وعدم الرغبة في إنجاب المزيد من الأطفال، أو بسبب المشاكل العائلية، أو خطورة الحمل على الأم واحتمال إنجاب جنين مريض أو مشوه وسواها من الأسباب.

وبينما تقصد بعض النساء الأطباء والمتخصصين لإجراء الإجهاض وإنهاء الحمل، يقوم البعض الآخر باللجوء إلى أشخاص غير متخصصين، أو عيادات غير مرخصة، وفي أماكن تفتقر إلى الظروف الصحية الملائمة، كإجراء الإجهاض في المنزل بناء على نصائح وتعاليم من غير متخصصين أو عبر استخدام أدوية وأعشاب دون إشراف ومراقبة طبية.

يقول الدكتور عمر المصطفى اختصاصي التوليد والجراحة النسائية ومعالجة العقم في حديثه لمنصة عين، أن ظاهرة طلب الأدوية التي تسبب الإجهاض هي كثيرة بين النازحين بسبب مشاكل أسرية أو طلاق، وأحيانا بسبب الفقر أو بسبب كونه حمل غير مرغوب به، ويضيف “هنالك قابلات وممرضون وممرضات وأشخاص لا علاقة لهم بالطب، يصفون أدوية ممنوع أن توصف بهذا الشكل لنساء تطلب الإجهاض والإسقاط، فهذه الأدوية لا يجوز أن تؤخذ ألا تحت المراقبة كونها تسبب النزيف، وعلى الأقل يجب أن يجرى الإجهاض في مشفى، وأن تكون المرأة تحت المراقبة”.

وتبدو التبعات لهذا النوع من الإجهاض، وهو ما يسمى بالإجهاض غير الآمن، كبيرة بدرجة هائلة، فبعض النساء يصبن بإعاقات دائمة، في حين لن تتمكن أخريات من الحمل مرة أخرى.

وتتضمن التبعات المهددة للحياة التي تخلفها وسائل الإجهاض غير الآمن النزف الحاد والإنتان والتسمم ‏وانثقاب الرحم، بالإضافة الى الأضرار التي تلحق بالأعضاء الداخلية الأخرى.

كما قد تحتاج النساء لعلاج سريع في ‏المستشفيات، ويحتجن إلى نقل دم أو الخضوع لعمية جراحية ترميمية أو استئصال الرحم الكامل.

وتبين منظمة أطباء بلا حدود أن الأضرار الحقيقية للإجهاض غير الآمن غير واضحة بشكل كامل لان الكثير من النساء والفتيات لا يجرؤنَ على طلب الرعاية الطبية لمضاعفات الإجهاض أو لا يستطعن إليها سبيلاً.

وبحسب تعريف منظمة الصحة العالمية للإجهاض غير الآمن بأنه عبارة عن إجراء لإنهاء حمل غير مرغوب به إما ينفذه أشخاص يفتقرون إلى المهارات المطلوبة لذلك، أو أنه ‏يتم في بيئة تفتقر إلى المعايير الطبية الدنيا، أو كلاهما.

مضاعفات شديدة

تقول منيرة اللاجئة السورية المقيمة في هاتاي، أنها حين حملت للمرة الأولى كانت في ال 19 من عمرها، “بعد شهرين من زواجي أصبحت حاملا، وفجأة أصبح سيء الطباع وعنيف ولا يذهب للعمل، فطلبت الانفصال ورغبت بالإجهاض، لأني لم أكن أريد أي رابط يجمعنا، فالطفل سيعيق الانفصال، وبما أن الطفل في أسابيعه الأولى اعتبرت أني لا أؤثم شرعا، وحين رفضت المشفى التي قصدتها إجراء الإجهاض اضطررت للجوء إلى وسائل أخرى، فأي امرأة إذا كانت مصممة على إنهاء حملها، فإنها ستفعل ذلك بغض النظر عن سلامة وقانونية الإجراء المتبع كما. ونظرا لعدم توفر الوسيلة الآمنة للإجهاض خاطرت بحياتي لإنهاء الحمل بطريقة غير آمنة، لأن البديل لا يحتمل”.

وتبين منيرة أن عملية الإجهاض تمت في المنزل، وكانت مضاعفاتها شديدة عليها من حيث النزف والآلام المبرحة.

وتضيف، “اليوم حين اقرأ عن مضاعفات هذه العمليات التي تجرى على أيد غير متخصصة أصاب بالرعب، إذ كان من الممكن أن أفقد حياتي أو اخسر فرصي بالإنجاب لو تفاقمت المشاكل”.

أما تولين 43 عاما، اللاجئة السورية المقيمة في غازي عينتاب، فتقول لمنصة عين، “لدي أربعة أطفال بأعمار متقاربة، وبدون تخطيط وعلم مسبق وجدت نفسي حاملا بالطفل الخامس، كانت أوضاعنا المادية سيئة جدا، فنحن لاجئون في بلد غريب، ونقطن في شقة مشتركة مع عائلة أخرى، كنت خائفة أن أخبر زوجي فهو لا يريد المزيد من الأطفال، حدثت السيدة التي اقطن معها بذات الشقة فنصحتني بأعشاب للإجهاض كنت أغليها واشرب منها ولكن لم يحدث أسقاط للجنين من المرة الأولى فأعدت الكرّة، وأصبت بالم شديد جدا ولكن لم يحدث إجهاض أيضا، فقصدنا قابلة تعمل في المنزل وأعطتني حبوبا للإجهاض تسببت لي بنزيف شديد نقلت إلى المشفى فقيل لي أن هناك تلف في الرحم ما تسبب باستئصاله”.

وأكدت تولين أن تجربتها مع الإجهاض المتعمد مريرة، داعية الجميع لعدم الإقدام على هذه الخطوة، وعدم اللجوء إليها، وفي حال كونها مضطرة للإجهاض فيجب أن تكون في مشفى أو في عيادة متخصصة.

لا توعية بالمخاطر

ويعتبر الصيدلي مأمون يوسف بان هناك الكثير من حالات الحمل غير المرغوب فيه بين اللاجئات السوريات في تركيا، كما لا يوجد توعية كافية بمخاطر الإجهاض غير الآمن، ويبين أن الحل يكمن إما في استعمال وسائل منع الحمل كإجراء استباقي للتقليل من الحمل غير المرغوب به وبالتالي تخفيض حالات ‏الإجهاض غير الآمن ووفيات الأمهات، أو اللجوء إلى الإجهاض الآمن على أيد مختصين، وفي أماكن وظروف صحية مناسبة حيث تكون هذه العمليات دون مضاعفات وآثار لاحقة.

ويستدرك القول إن وسائل منع الحمل وحدها ليست بالحل ‏الكافي، لذا ينبغي التوعية بشدة بمخاطر هذه الإجراءات وعدم استشارة أشخاص غير مؤهلين، أو محاولة أي سيدة إجهاض نفسها بأعشاب وعقاقير وسواها، محذرا من أن العديد من هذه الطرق ليست فعالة وتخلف أضراراً دائمة.

كدت أفقد حياتي

عندما رغبت اللاجئة السورية ندى 37 عاما، المقيمة في إسطنبول بالتخلص من حملها بالإجهاض، رفضت المشافي الحكومية القيام به لأنها كانت في الأسبوع  12، ولم يكن هناك أي خطر على حياتها، فتوجهت إلى سيدة تقوم بالإجهاض لمساعدتها، “أعطتني أدوية وعقاقير وأعشاب، ولكن لم يحدث إجهاض فخفت من تكرار المحاولة وقررت الاحتفاظ بالجنين وعدلت عن رأيي، ولكن السيدة أبلغتني أن الأدوية والأعشاب التي تناولتها ستتسبب التشوهات للجنين إن أبقيته،  وأرشدتني إلى شخص آخر يقوم بعمليات إجهاض وهو كما عرف عن نفسه انه طبيب اجرى الإجهاض في غرفة لا تشبه العيادة وليس بها أي تجهيزات أو تعقيم . تمت عملية الإجهاض بنجاح، ولكن بعد أسبوعين ارتفعت درجة حرارتي بشكل كبير، وأصبت بنزيف حاد جدا، نقلت إلى أقرب مشفى وقيل لي أن الإجهاض لم يكن كاملا وبقي بعض منه في الرحم ما تسبب بالتهابات شديدة وإنتان وتسمم في الدم وكدت أفقد حياتي”.

تجدر الإشارة إلى أن الإجهاض في تركيا أمر قانوني في حالة ما لم يتجاوز حمل المرأة 10 أسابيع، ويُمكن تمديد الفترة في حالة ما كان هناك خطر على حياة المرأة أو حياة الجنين.

وسمح قانون التخطيط السكاني عام 1983 بإنهاء الحمل بشكل طوعي حين لا يتجاوز الأسبوع العاشر وكذلك في حال كان الحمل يشكّل خطراً على حياة الأم، أو كان هناك خطر، “الإصابة بإعاقة حادة تطال الطفل أو الأجيال القادمة”.

أمّا حالات الحمل الناتجة عن جريمة، فتُحال إلى القانون الجنائي التركي الذي يسمح بالإجهاض في تلك الحالات وصولاً إلى الأسبوع العشرين من عمر الجنين، بحسب الشبكة المتوسطية للإعلام النسوي.

تحذير شديد من طبيب

يقول الدكتور عمر مصطفى اختصاصي التوليد والجراحة النسائية ومعالجة العقم في حديثه لمنصة عين، أن الإجهاض غير الآمن هو الذي يتم في عيادة أو في البيت أحيانا، ويجرى على أيد أشخاص لا يدركون مدى الخطورة التي من الممكن أن تتعرض لها المريضة لكونهم غير متمرسين وغير مختصين ومتدربين.

ويبين الطبيب أن المريضة قد تتعرض لانثقاب الرحم، ومن الممكن أن يؤدي لانثقاب الأمعاء، الذي يؤدي بدوره لانتشار الإنتان ضمن البطن مما يتسبب بموت المريضة. كما يؤدي الإجهاض غير الآمن إلى إنتان ضمن الرحم بسبب استعمال أدوات غير معقمة وظروف غير معقمة وهذه تتسبب بعقم للمريضة مستقبلا.

ويؤكد الطبيب عمر أن هناك مخاطر أيضا بالنسبة للتخدير، فمن المؤكد أن الشخص الذي يقوم بتخدير المريضة ليس بطبيب تخدير وهناك خطر على حياة المريضة من خلال أدوية التخدير المستعملة، فلو حصل أي طارئ خلال العملية، واحتاجت لتدخل جراحي، فطبيب التخدير غير موجود.

ويبين أنه من الممكن أن تحدث هذه الأمور حتى في المشافي، ولكن يتم التدخل فورا، “عندما تحدث لدينا أمور مثل هذه في المشفى، تكون الظروف مهيأة لدخول المريضة لغرفة العمليات وللعناية المشددة فنحن نعمل في ظروف آمنة جدا، بينما في العيادات ومع غير المختصين وفي البيوت فهذا امر غير موجود وخطير على حياة المريضة”.

وعن دواعي الإجهاض التي يقبل بإجرائها الطبيب، ولا تعرض المريضة للخطر يقول الطبيب، “نحن نادرا ما نلجأ للإجهاض إلا في حالات معينة، وهناك بعض الزملاء يقومون بالإجهاض، ولكل بلد قوانينه المختلفة، وربما يتم اللجوء لشيخ ليحدد رؤية الشرع في هذه الأمور واحتساب أسابيع عمر الجنين وما شابه، ولكني شخصيا أعتبر أن الإجهاض حرام شرعا، حتى لو كان عمر الجنين ساعة واحدة، والقانون لا يسمح بالإجهاض، حتى لو شك الطبيب بوجود تشوه لدى الجنين”.

أما دواعي الإجهاض بحسب الطبيب عمر فهي واحدة فقط لا غير، “عندما يكون هناك خطر محدق على حياة الأم أي وليس خطرا متوقعا، أي في حال كان لدى المريضة مرض القلب أو لديها سرطان مثلا، يأتي تقرير من الطبيب المعالج للمريضة يقول إن هناك خطر محدق على هذه المريضة على حياتها أي ما يتجاوز 90 بالمئة وممنوع أن تستكمل حملها، فهنا يستوجب الإجهاض، أما أن تقرر القابلة أو الممرضة أو الطبيب من نفسه وجود خطر ويجب أن تقوم بالإجهاض، أو يتم الإجهاض بسبب رغبة المريضة، فهذا امر لا يجوز من الناحية القانونية والشرعية”.

نصيحة للمريضة

وينصح الطبيب عمر السيدات بألا تلجأن للإجهاض، وإن كانت المريضة مصرة على هذا الأمر، يجب أن تلجأ لطبيب اختصاصي في طب النساء والتوليد، “الطبيب المختص هو من يقدّر المخاطر، وهو المخول بهذه العمليات، بينما لو قامت بأخذ الحبوب، قد لا يتم الإجهاض وتضطر للقدوم للمشفى بسبب النزيف وتدخل بمتاهة كبيرة، كما قد تتسبب الحبوب بخطر التمزق، أما اللجوء إلى قابلة وعيادات فهذا مغامرة بحياتها”.

ويؤكد الطبيب عمر أن الطبيب الاختصاصي في طب النساء والتوليد حريص على سمعته وشهادته، حتى لو حصل تجاوز للشرع والقانون، لكنه حريص على صحة المريضة وسيدخلها المشفى لو حدث أي أمر طارئ على المريضة أو اختلاط، وسيطلب مساعدة زملائه الأطباء سواء كانت العملية في العيادة أو في المشفى.

زنوبيا وتوعية النساء

وفي ذات السياق تشير غزوة ميلاجي المختصة في برامج الصحة الإنجابية في منظمة زنوبيا في حديثها لمنصة عين، الى أن سياسة منظمة زنوبيا قائمة على تمكين النساء وتفعيل دورهن في المجتمع، ولديها اهتمام كبير بالتوعية بالصحة الجسدية والنفسية بشكل عام والصحة الإنجابية بشكل خاص.

وتبين ميلاجي أن لدى زنوبيا برنامجا متعلقا بالصحة الإنجابية والصحة العامة، تستهدف فيه اللاجئات السوريات في تركيا، بالتعاون مع أطباء وعاملات بالشأن الصحي، ويهدف لنشر التوعية، كما قامت بإصدار دليل متعلق بالصحة الإنجابية والصحة العامة للنساء.

الصورة للطبيبة هديل في إحدى مراكز دعم اللاجئين، مصدر الصورة  UNFPA

وتلفت ميلاجي إلى قيام المنظمة بالعديد من المبادرات مجتمعية بخصوص زواج القاصرات وكل ما يتعلق بهذا الخصوص من مخاطر جسدية وصحية ونفسية، وكل ما يتعلق بالصحة الإنجابية ورفع وعي اليافعات.

أما بالنسبة لموضوع الإجهاض فتوضح ميلاجي انه لم يتم العمل عليه حتى الآن، ولكن من الممكن أن يتم إدراجه ضمن المواضيع التوعوية المستهدفة للنساء السوريات في تركيا في المراحل القادمة وهو يخضع للتسلسل الزمني بحسب تعبيرها.

وتنص المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان انه لكلِّ شخص حقٌّ في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصَّةً على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية، وله الحقُّ فيما يأمن به الغوائل في حالات البطالة، أو المرض، أو العجز، أو الترمُّل، أو الشيخوخة، أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه.
وللأمومة والطفولة حقٌّ في رعاية ومساعدة خاصَّتين، ولجميع الأطفال حقُّ التمتُّع بذات الحماية الاجتماعية سواء وُلِدوا في إطار الزواج أو خارج هذا الإطار.

“تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “JHR” صحفيون من أجل حقوق الإنسان”.

شارك:

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

منشورات ذو صلة