الأزمة الاقتصادية تتسبب بهجرة جماعية لأطباء سوريا
من يوقف النزيف؟

منصة عين

بحث وإعداد: نازك تلحوق – محمد ناموس

صورة تعبيرية – المصدر: Shutterstock

يتحضر طبيب الجراحة العظمية مؤيد (33 عاما) للسفر إلى الصومال، بعد أن أمضى فترة تدريبيه في مشفى الأسد الجامعي بدمشق، فالهجرة باب الفرج الوحيد الذي فُتِحَ له ليخرج من جحيم الحاجة والعوز الذي فرض عليه بعد سنوات دراسة وتدريب فاقت الـ 12 عاما.

“بصفتي طبيب مقيم كنت أتقاضى راتبا شهريا لا يتجاوز المئة ألف ليرة سورية، أي ما يعادل 25$ بسعر صرف اليوم في السوق السوداء، وهذا الراتب لم يكن يكفي ثمن الطعام لأيام، ولا يغطي إلا جزءا من المواصلات، ولدي عائلة ولا أستطيع أن أعمل عملا إضافيا”.

ويوضح الطبيب مؤيد (طلب عدم ذكر اسمه الكامل لأسباب أمنية)، في حديثه مع منصة عين عبر مكالمة واتس أب، أن الكثير من زملائه هاجروا أو يتحضرون للهجرة، وبعضهم يرغب بالسفر دون أن يكمل تدريبه، فالراتب بسيط جدا، والعمل مرهق، والورديات طويلة ومعظمها بدون مقابل، كما أن غياب العديد من زملائه ضاعف الجهد والمسؤولية على الأطباء المقيمين.

“حتى أن الأطباء الذين من المفترض أن أتدرب وأتعلم منهم هاجر معظمهم بسبب الضائقة الاقتصادية، ولم يكن أمامي إلا البحث عن فرصة في الخارج”.

أما الراتب المعروض على الطبيب مؤيد خارج سوريا فهو برأيه جيدا جدا، إذ يقارب 2000$، ويزيد 80 مرة عن راتبه الحالي، وبهجرته يضمن لعائلته وابنه الصغير مستوى حياة جيد.

ويتوقع الطبيب مؤيد أن تؤدي هجرة الكفاءات الطبية إلى تدني مستوى الرعاية الطبية، فالطبيب المرهق لن يستطع الاهتمام بهذا الكم من المرضى وستحصل أخطاء بالطبع، بحسب قوله.

وعن طريقة الهجرة يقول الطبيب أن هناك مكاتب تهتم بمعاملات الأطباء وتقديم العروض “في البداية كانت العروض أفضل، فالأطباء اللذين ذهبوا إلى العراق، عُرِضت عليهم رواتب أعلى تتراوح بين 2000 و2500 دولار. أما الآن أصبح الطبيب السوري يقبل بأقل من هذا الراتب، وتتراوح الرواتب المعروضة بين 1200 إلى 1400 وأحيانا 1700 دولار”.

وعلى وسائل التواصل الاجتماعي تنشط العديد من الصفحات التي يديرها وسطاء أو أطباء يرغبون بمساعدة زملائهم داخل سوريا.

أُنشئت هذه المجموعات لضم واجتذاب الأطباء السوريين والطاقم الطبي والتمريضي، ويتفاعل معها العديد من الأطباء المهتمين بالهجرة، ويروون تجاربهم ويقدمون نصائح وتحذيرات لأقرانهم من بعض المكاتب أو بعض المراكز الصحية التي تقوم باحتجاز جواز السفر، أو تغيير العقود، أو التأخر بالدفع، أو إساءة معاملة الطبيب. 

هجرة الكفاءات الطبية

تضررت العديد من قطاعات الأعمال في سورية، نتيجة تراكم الأزمات التي خلفتها الحرب، وما تبعها من أزمة اقتصادية خانقة تركت تداعيات مدمرة على قيمة العملة والرواتب والأجور، إذ خسرت الليرة السورية بشكل كبير ووصلت لأدنى مستوياتها، وارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية بشكل كبير، ووصل سعر صرف الليرة السورية اليوم إلى حدود الـ 4000 ليرة مقابل الدولار، بينما كان الدولار الواحد يساوي 55 ليرة قبل الحرب.

ومن بين القطاعات الأكثر تضررا كان القطاع الطبي، فالمقابل المادي الذي يجنيه الطبيب السوري في مناطق النظام حاليا، هو الأسوأ بين باقي المهن، إذ يقدر ب 50$، كما ويتقاضى بدل معاينة يتراوح بين نصف دولار إلى أربع دولارات.

وهذا ما فتح الباب للأطباء للهجرة من سوريا، وكانت وجهتهم الأولى ألمانيا والخليج، ولكن بسبب التكلفة المرتفعة وعدم منح الفيزا للسوريين، انتقلت وجهات الأطباء إلى اليمن والعراق وليبيا والصومال، التي تقوم باجتذاب الأطباء السوريين وإغرائهم برواتب تعتبر مرتفعة مقارنة بالرواتب التي يتقاضونها حاليا.

وذكر نقيب أطباء ريف دمشق خالد قاسم موسى في حديثه لإذاعة ميلودي إف إم الموالية بداية العام الجاري، أن الأطباء السوريين يتوجهون إلى موريتانيا والصومال والسودان واليمن، ويتراوح راتبهم بين 1200 – 3000 دولار أميركي.

وقال تقرير أصدرته لجنة الإنقاذ الدولية (IRC) العام الماضي، إن نحو 70% من العاملين في القطاع الصحي غادروا البلاد، وباتت النسبة الآن “طبيب واحد لكل 10 آلاف سوري”، وفي محاولة لتعويض النقص، يضطر العاملون في هذا المجال إلى العمل أكثر من 80 ساعة في الأسبوع.

وتمتلك حلب وحمص وإدلب ودرعا وريف دمشق ودير الزور أقل عدد من الأطباء لكل السكان، وفق دراسة لباحثين في كليات طب بريطانية وأمريكية ومنظمات دولية، ونقلت الدراسة عن مسح أجراه المركز السوري لبحوث السياسات، أن 31٪ من السكان يعيشون في مناطق لا يكفي فيها العاملون في مجال الرعاية الصحية و27٪ يعيشون في مناطق لا يتواجد فيها العاملون في مجال الرعاية الصحية.

وبحسب تقرير حديث صادر عن اليونيسيف في أيار 2022 بعنوان “كل يوم يحتسب”، يقول التقرير أنه من أصل 80 ألف طبيب سوري عامل في سوريا قبل الأزمة، بقي 20 ألف طبيب فقط.

الممرضون أيضا

ولا تقتصر الهجرة على الأطباء، بل تتعداها إلى الممرضين والتقنيين والصيادلة وغيرهم من الطواقم الطبية، ونقلت صحيفة الوطن الموالية مطلع العام الجاري عن خليفة كسارة، نقيب التمريض – فرع حلب، أن سورية أكبر بلد مصدر للشهادات الطبية، “خلال 20 يوما فقط من بداية العام الحالي، انتسب لدى النقابة 60 خريجاً من اختصاصات التمريض والأشعة والتخدير والمعالجة الفيزيائية وغيرهم، وجميعهم من دون استثناء طلبوا وثيقة حسن سيرة وسلوك كونها مطلوبة منهم في الدول التي سيهاجرون إليها”.

فقدان تخصصات كاملة

تقول الإحصاءات الرسمية بأنّ حوالي 1960 طبيباً غادروا البلاد خلال العام الماضي فقط، ليصبح مجمل عدد الأطباء الذين هاجروا حوالي 25 ألف طبيب منذ بداية النزاع في 2011، بحسب تصريح الدكتور ماهر الزعبي لموقع الحل المحلي، المدير الإداري ومسؤول التواصل في مشفى الجيزة في درعا.

وأدّت هجرة الأطباء إلى فقدان اختصاصات كاملة، كاختصاص التخدير الذي بات يعاني من استنزاف سريع غير قابل للتعويض، ولسد النقص يتطلب إعداد 1500 طبيب تخدير وهو رقم يصعب تحقيقه بحسب ما أكدته رئيسة رابطة التخدير في نقابة الأطباء زبيدة شموط التي تحدثت عن وجود 500 طبيب تخدير في سوريا معظمهم في مرحلة التقاعد، إضافة الى ثلاثة أطباء تحت سن الـ 30، وأربعة أطباء مقيمين، مؤكدة أن كل من سيتخرج من المتوقع أن يغادر البلاد.

وحذرت شموط من ازدياد أعداد الوفيات بسبب هذا النقص مشيرة الى وجود مشفيين حكوميين في دمشق دون أطباء تخدير.

وفي ذات السياق أكد المسؤول العلمي لرابطة اختصاصي التخدير في سوريا، الدكتور فواز هلال، أن أعداد أطباء التخدير في حالة تدهور سريعة، إذ يغادر البلاد أربعة أطباء شهرياً.

كذلك شهد تخصص الأطباء النفسيين هجرة واسعة، فلا يوجد في محافظة إدلب سوى طبيب نفسي واحد فقط مقابل أكثر 3 ملايين شخص مقيم فيها.

أما بالنسبة لطب الأسنان، فصرح نقيب أطباء الأسنان في اللاذقية طارق عبد الله لصحيفة البعث المحلية، أن 70% من خريجي طب الأسنان الجدد يهاجرون.

طبيب الأسنان عثمان شبلي / المصدر: جامعة بوفالو الأمريكية / نيويورك

وفي حديثه لإذاعة ميلودي المحلية، أكد خالد موسى نقيب أطباء ريف دمشق أن اختصاصات الطب الشرعي وجراحة الأوعية والكلية والتخدير تواجه خطر الزوال، بسبب ضعف الإقبال عليها من قبل طلاب الطب، وأنه في كامل المحافظة لا يوجد سوى طبيب جراحة أوعية، بينما المحافظة تحتاج بالحد الأدنى 10-12 طبيب بهذا الاختصاص، وكذلك لا يوجد أي جراح صدرية في المحافظة.

وأشار موسى أنه ومنذ أكثر من خمس سنوات لم يدخل طبيب مقيم باختصاص التخدير على محافظة ريف دمشق، وأن ست أطباء فقط على مستوى سوريا تقدموا لامتحان البورد باختصاص التخدير.

كما شهدت تخصصات عدة عزوفا كبيرا من الطلاب عن اختيارها بسبب تدني الرواتب، بينها الطب الشرعي.

وقال رئيس الهيئة العامة للطب الشرعي في سوريا، الدكتور زاهر حجو، إن الطب الشرعي في سوريا مهدد بالزوال بسبب المردود المادي المنخفض، فعدد الأطباء الشرعيين حالياً هو 52 طبيباً ومعظمهم في العقد الخامس، متوقعا أن يختفي الطب الشرعي بعد 15 عاما.

وأكد عضو مجلس نقابة الأطباء في سوريا الدكتور زاهر بطل وجود نقص في بعض الاختصاصات الطبيّة الدقيقة مثل العصبية والصدرية، كما أشار مدير الصحة في اللاذقية الدكتور هوازن مخلوف الى فقدان عدد من الاختصاصات الطبية. وأضاف أن مشافي الدولة تعاني من تسرب الكوادر التمريضية والفنيين في المخابر والأشعة والتخدير، بسبب الأجور المجحفة، فطبيب التخدير في مستشفيات ريف دمشق يحصل على نصف دولار عن كل عملية.

إقبال على تخصص التجميل

ومع عزوف الأطباء عن تخصص الطب الشرعي، شهد تخصص التجميل إقبالاً واسعاً من طلاب الطب، بسبب مدخوله المرتفع والرغبة الكبيرة بعمليات التجميل لدى شريحة كبيرة من السوريين، إذ أوضح نائب نقيب أطباء سوريا غسان فندي أن رغبة الأطباء في التخصص في التجميل طغت على بقية الاختصاصات في العامين الأخيرين، وأصبحت أضعاف عدد الاختصاصات الأخرى.

“الراتب لا يكفي أسبوعاً”

تقول الطبيبة مها المقيمة في دمشق، في حديثها لمنصة عين عبر الواتس أب، (طلبت عدم ذكر اسمها الكامل لدواعٍ أمنية)، أن قلة من الأطباء ما زالت قادرة على الصمود في ظل الأزمة الاقتصادية وما تسببت به من تدن في الأجور، وشح الكهرباء والمحروقات، والغالبية ستغادر البلاد.

فالطبيب حديث التخرج يعمل أكثر من عشر ساعات يوميا، ويحصل على راتب يقدر بـ 100 ألف ليرة لا تكفيه أسبوعا، فكيف سيتمكن من استئجار عيادة أو إعالة عائلة؟

وتؤكد الطبيبة مها أن هناك محافظات شبه خالية من الأطباء مثل دير الزور، ومشافٍ خالية من بعض الاختصاصات مثل التخدير وقلب الأطفال.

كما أن هناك نقص في الكوادر الطبية تسبب بإجهاد الأطباء المقيمين في السنوات الأولى الذين يعملون دون إشراف بسبب غياب المختصين، ويعتمدون على أنفسهم في تقدير وعلاج الحالات المرضية، مما يتسبب بأخطاء طبية عديدة، بسحب الطبيبة مها.

وتؤكد الطبيبة أن المقلق في هذه الظاهرة ليست الأرقام بحدّ ذاتها، بل الفئة العمرية التي يعوّل عليها في القطاع الاستشفائي، فطلاب الطب حديثي التخرج هم مستقبل نظام الرعاية الصحية.

محاولات محدودة

جرت محاولات محدودة من حكومة النظام لوقف نزيف الهجرة، وكشف نقيب الأطباء غسان فندي أن رئيس مجلس الوزراء وافق على توصية اللجنة الاقتصادية بصرف مكافأة شهرية لأطباء التخدير بمعدل 200 ألف ليرة سورية لكل طبيب، إضافة إلى 100 ألف ليرة كتعويض مناوبات، وصرف 75 ألفاً للأطباء المقيمين.

كذلك منح رئيس النظام السوري زيادة تعويضية بحسب المرسوم التشريعي رقم / 2 / لعام 2022 للأطباء والعاملين في المشافي العامة المختصة بالأورام وأقسامها، بنسب تصل إلى 65% من الأجر الشهري المقطوع.

ومؤخراً قال نائب نقيب الأطباء في سوريا زاهر بطل، أن اجتماعاً سيعقد لتعديل بدل المعاينة لتصبح بين 8 و12 ألفا للطبيب و12 الى 16 ألفا للاختصاصي.

وفي السابع والعشرين من شهر أيار الجاري، كشفت وزارة التعليم العالي في حكومة النظام عن دراسة تعمل عليها لتقديم فرصة دخول كلية الطب بمعدلات أقل بشرط العمل مع المستشفيات العامة.

وقالت معاون وزير التعليم العالي للشؤون العلمية الدكتورة فادية ديب لإذاعة “شام” المقربة من النظام، إن وزارة التعليم العالي تعمل ضمن “نظرة جديدة للحفاظ على الأطباء والحد من الهجرة، تشمل مشروع مفاضلة لألف فرصة جديدة لدراسة الطب البشري بمعدلات أقل، شريطة الالتزام مع المستشفيات العامة، وفتح التسجيل المباشر على بعض الاختصاصات النوعية دون مفاضلة، إلى جانب ضرورة إيجاد نص قانوني جديد يضمن مرونة عمل الطبيب أثناء تعاقده مع الجهات الحكومية”.

وأشارت أيضاً إلى أن “هناك أيضاً دراسة خاصة تتعلق بإلغاء السنة التحضيرية، ووضع رؤية جديدة لها، كما يتم العمل على رفع التعرفة للأطباء، إضافة إلى دراسة طبيعة عمل الممرضين، على أن يُبت بكل هذه الأمور قبل مفاضلة العام المقبل”.

هجرة أطباء الشمال والأسباب مختلفة

يختلف الوضع الطبي في سوريا بحسب المناطق والتقسيمات والقوى السياسية المسيطرة، وتختلف الوجهة التي يقصدها الأطباء للهجرة، كما تختلف الرواتب أيضا.

وبينما يمكن وصف الوضع في مناطق النظام ” بالكارثي”، يبدو الوضع في شمال سوريا رغم سوداويته تحت “السيطرة”، بسبب بعض المبادرات التي تقوم بها المنظمات المحلية والدولية، للتقليل من تداعيات هجرة الأطباء، التي اختار معظمهم تركيا وألمانيا.

وترتبط الهجرة في الشمال بانعدام الأمن الاجتماعي الذي هو أحد مخلفات الأزمة الاقتصادية، بالإضافة إلى ضعف جودة الحياة، وهشاشة الوضع الأمني وغياب البنى التحتية، وعدم القدرة على رفد المشافي بالتقنيات الحديثة، إضافة لرغبة الأطباء بالتدرب وتثبيت الشهادات، إذ أن كليات الطب المستحدثة في الشمال السوري غير معترف بها.

ولاحظ فريق البحث العامل على إنتاج هذا التحقيق في منصة عين بالتعاون مع منظمة رحمة حول العالم ومنظمة IPV، خلال أبحاثهم الميدانية، أن الأطباء خريجي جامعات الشمال مجبرون على البقاء، إذ أن شهاداتهم غير معترف بها دوليا، والفئة التي تهاجر هي من خريجي جامعات دمشق أو جامعات تابعة لمناطق النظام، والتي قصد خريجوها الشمال السوري كمحطة وسطى لجمع المال والتحضير قبل الانتقال إلى دولة أخرى، أو الذين أجبرتهم الحرب والملاحقة الأمنية على اللجوء إلى الشمال.

وتعد تركيا وجهة الهجرة الأساسية لأطباء الشمال، الذين تتراوح أعمارهم بين 25-40 سنة، طلباً للاختصاص أو تثبيت ومعادلة الشهادة، ويعتبر الحد الأدنى لراتب الطبيب المقيم 900 دولار شهريا، بالإضافة إلى المناوبات التي تتراوح بين80-140 دولار، وعليه يصل متوسط الراتب الى 1500 دولار في الشمال السوري، ويمكن أن يفوق ذلك إذا عمل الطبيب مع أكثر من مشفى ومنظمة.

وتتراوح رواتب الممرضات والقابلات في المنظمات غير الحكومية بين 500-700 دولار أمريكي.

“خسرنا في كل شيء”

كان للدكتور عمر عساف المصطفى، أخصائي جراحة النساء والتوليد المقيم في تركيا حاليا، أسبابا مختلفة للهجرة من سوريا، حيث كان يعمل في أحد مشافي مدينة منبج أثناء سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، وبعد طلبهم منه تغيير اختصاصه كونه يعمل فقط مع المرضى النساء، اضطر للعمل بشكل سري، وبعد ذلك هاجر إلى تركيا.

يقول الطبيب عمر في حديثه مع منصة عين “عندما طلبوا مني تغيير اختصاصي، بدأت العمل بشكل سري، ولكن بعد اكتشاف أمري استدعوني للتحقيق وتم إجباري على توقيع ورقة لتغيير الاختصاص، وعلى أساسها خرجت من سوريا عام 2015 ولولا ذلك لما كنت خرجت أبدا”.

الطبيب عمر عساف المصطفى / المصدر: منصة عين

وأشار المصطفى إلى أن الوضع الأمني كان ومازال هو أساس خروج العدد الكبير من الأطباء من سوريا، وأكد أن عدداً كبيراً من زملائه تعرضوا للاختطاف وطلب فدية مقابل خروجهم، وإلا فمصيرهم الموت. “كثيرة هي المواقف التي حصلت معنا إذ يأتينا مسلحون ومعهم مصاب ويجبروننا على علاجه، وخاصة أثناء سيطرة تنظيم الدولة، وهناك زملاء تعرضوا للضرب وإطلاق النار “.

وأشار الطبيب عمر إلى أنه ونتيجة لنقص أعداد الأطباء ازداد الضغط على الأطباء الباقين مما تسبب بكثرة الأخطاء.

وعن البدائل والحلول التي يتم وضعها لحل مشكلة هجرة الأطباء، يقول الطبيب، “البدائل والحلول التي تم وضعها سيئة جدا، والوضع التعليمي فرض نفسه أيضاً، فلا يوجد أطباء جدد، وللأسف إذا رغبنا بقياس الربح والخسارة، نحن تراجعنا وخسرنا في كل شيء وفي كل المجالات”.

انعدام الأمان السياسي والاقتصادي

طبيب الأطفال عبد الله شرف الدين، الموجود في شمال غرب سوريا، أكد أن انعدام الأمان السياسي والاقتصادي في سوريا أدى الى موجات هجرة عديدة، مشيراً إلى أن معظم الأطباء هاجروا إلى ألمانيا، بعد أن خفضت المنظمات الدعم، مما قلل فرص العمل للأطباء، وألمانيا تستوعب اليوم أكثر من 5000 طبيب سوري يعملون في المشافي الألمانية، وتقدم لهم التسهيلات.

وقال الطبيب خلال حديثه لمنصة عين أن الرواتب في مناطق المعارضة أفضل بكثير من مناطق النظام، ولكنها لا تقارن بالرواتب قبل الحرب في سوريا.

وعن وجهة هجرة الأطباء يقول، “الطبيب الموجود لدى النظام يخرج باتجاه اليمن وليبيا والصومال لأن وضعهم المادي مأساوي جدا، بينما في مناطق المعارضة يتوجه الأطباء الى المانيا رغم الكلفة المرتفعة التي يعجز عنها الأطباء في مناطق النظام فرواتبهم لا تتجاوز الخمسين دولارا”.

وعن التخصصات يقول د.عبد الله، “العديد من التخصصات موجودة لدينا تقريبا، وهناك تخصصات نادرة كالأطباء النفسيين، إذ كان لدينا طبيبين نفسيين لأربعة ملايين شخص، وهاجر أحدهما إلى ألمانيا، وبقي طبيب واحد فقط.

أما التخصصات غير الموجودة أبدا وهي مطلوبة جدا، فهي جراحة اليد والعمليات العصبية والجراحة العصبية، والأورام الدماغية، وقلب الأطفال، فأي طفل لديه مشكلة قلبية لا نستطيع علاجه، وتتم إدارة الحالة من أطباء سوريين بالخارج، وأضاف الطبيب” أطباء المهجر ساعدونا جدا وكأنهم موجودون هنا، وعند حدوث حالة خاصة نجتمع عبر الفيديو ويتم توجيه الأطباء”.

أما عن دراسة الطب في كلية إدلب، يقول الطبيب أن جامعة إدلب تخرّج كل عام 200 طبيب، ولكن هؤلاء غير معترف بهم خارج سوريا، ولذلك سيضطرون للبقاء في إدلب.

يرغب الطبيب عبد الله بالهجرة منذ ثلاث سنوات لكنه يقوم بالتأجيل، “احتمال الخروج وارد جدا لدي، ولا يوجد طبيب هنا لا يفكر بالهجرة بشكل جدي”.

توجيه إلكتروني لأطباء الداخل

مثل معظم المناطق في سوريا، يعاني أطباء الشمال السوري من نقص التدريب بسبب هجرة الكوادر والكفاءات، وأفادت دراسة بحثية نشرت بداية العام الحالي قام بها باحثون من كليات طب وعلوم صحية فنلندية، أن أكثر من 70٪ من العامليين الصحيين هاجروا سوريا.

وبحسب الدراسة، اضطر العديد من العاملين الصحيين الذين بقوا في سوريا للعمل خارج نطاق تدريبهم الأكاديمي، بسبب نقص الموظفين المؤهلين، وهذا ما أثر على إمكانات الأطباء ومهاراتهم.

وأفادت الدراسة أن طلاب الطب، وطاقم الدراسات العليا المبتدئين تُرِكوا دون تدريب وإرشاد كافٍ، وحصل 38٪ من الأطباء على أقل من عامين من التدريب، بينما لم يتلق 38% من العامليين الصحيين أي تدريب على الإطلاق.

وأكدت الدراسة أن نقص التدريب والخبرة لدى الخريجين زاد الضغط بشكل كبير على الخبراء القلائل المتبقين، وبُذلت محاولات لتوفير التدريب من خلال الاستشارات عن بعد للأطباء وعمال الرعاية الصحية.

نجح الدكتور نصر الخلف أبو الحسن أخصائي عناية أطفال حديثي ولادة، بالتعاون مع إحدى المنظمات بتأمين استشارات طبية من الأطباء السوريين المغتربين والمتخصصين بتخصصات غير موجودة في الداخل السوري، وساهمت هذه الاستشارات بمساعدة الأطباء على تشخيص وعلاج عدد كبير من الحالات.

الطبيب نصر الخلف أبو الحسن – أثناء عمله في إحدى مشافي شمال سوريا / المصدر: منصة عين

ويقول الطبيب نصر، “تحتاج بعض الحالات الطبية الخاصة أو التخصصات الفرعية الى فريق ليشخص الحالة ويتابعها، وكانت الفكرة من خلال التواصل الشخصي بيننا وبين الأطباء في الخارج للتنسيق والاستفادة من أصحاب التخصصات غير الموجودة في الداخل السوري”.

وعن طريقة سير عملية التوجيه، “يتم نقاش الحالة بشكل علمي وبين الأطباء الاستشاريين ونرى البروتوكول الأقرب، ومن ثم نقوم بمتابعتها بشكل يومي أو دوري، وبعد ذلك قمنا بإنشاء برنامج كامل لتخصصات معينة يكون فيه إشراف كامل لأطباء من الخارج ويتابعون الأطباء في الخارج”.

وبدأت التجربة في شهر أكتوبر عام 2021، من خلال اعتماد تخصص حديثي الولادة بالتنسيق بين الاستشاريين من الخارج، وهيئة التخصصات الطبية السورية SPOMS.

وتم إطلاق برنامج العناية المشددة لدى حديثي الولادة، للإشراف على خمس مشافي فيها 5 أطباء يتابعون الحالات بشكل إلكتروني، وتتم الاستشارة لكل حالة على حدى، ويتم عمل جولات أون لاين.

الطبيب نصر الخلف – شمال سوريا / المصدر: منصة عين

ويضيف الطبيب نصر، “أتحدث مع الأطباء في الخارج عبر الفيديو، وأعرض عليهم الحالات ونتناقش فيها، ويتم تطبيق التوصيات والاستفادة من خبرة الاستشاريين بحكم خبرتهم الممتازة، والجزء الثاني من المتابعات يتم للحالات الخاصة، إذ يتم التواصل مع الاستشاريين ومناقشة الحالة معهم، ونقوم بعمل CASE PRESENTATION بوجود الاستشاريين والأطباء المختصين، ومن ضمن المتابعات نقوم بتجهيز للبروتوكولات من خلال دراسة الحالات، وتوحيد التشخيص والعلاج وفق منهجية علمية”.

ويؤكد الطبيب نصر، “النقطة الأهم في هذا البرنامج أننا نحاول التوسع في برامج تعليمية أخرى، وسنقوم بتدريب عدد من الفنيين خلال الفترة القادمة، مما سيفيد بتوسيع الإطار التعليمي”.

“الجميع يغادرون”

الطبيب زياد أبو يوسف أخصائي تخدير في مشفى خاص في مدينة دير الزور شمال شرقي سوريا، لفت الى أن الوضع الصحي في منطقته الواقعة تحت حكم الإدارة الذاتية التابعة لقوات سورية الديمقراطية شمال شرق سوريا، يعتبر جيدا بشكل عام لكن تكلفة العلاج مرتفعة وتؤثر على الشرائح الفقيرة بشكل كبير.

وأكد الطبيب عدم وجود عدد من التخصصات في منطقته، لذلك تتم بعض العمليات في دمشق أو في تركيا، كما يتم التحويل إلى كردستان العراق أحيانا.

ويضيف الطبيب زياد، “جراحة القلب وتركيب الشبكة مفقودة، بالإضافة لعمليات قلب الأطفال، والجراحة التخصصية الشديدة وجراحة العين، أما الجراحة العامة فهناك ندرة فيها”.

ووصف الطبيب المقابل المادي بالجيد جدا، حيث قد يصل الراتب الى 4000 دولار، لأن الطبيب يعمل مع أكثر من منظمة ومشفى بحكم قلة الأطباء، أما الوضع الأمني فغير جيد ومنذ فترة تم حجز طبيبين وطلب أتاوات مقابل خروجهم”.

أما عن الوضع التعليمي، أكد الطبيب افتقاد المدينة لكليات الطب “لا يوجد أي طبيب يدرس في المدينة، وجميع الأطباء يأتون من دمشق ليعملوا قليلا وبعدها يهاجر جميعهم لأوروبا”.

ويضيف، “معظم تخصصات الأطباء نسائية وداخلية وأطفال، وهم كبار في السن ولن يسافروا، أما الباقون فسيفعلون، وهذا سيؤدي لندرة 100% حتى على مستوى الممرضين والصيادلة وفنيي التخدير وغيرهم، وبسبب هذه الندرة أصبح الأطباء يعملون في عدد من المنظمات ضمن تفاهمات معينة”.

انعكاسات سلبية للهجرة

بحسب البحث الميداني الذي أجرته منظمتا رحمة حول العالم، ومنظمة IPV، بالتعاون مع منصة عين، تركت هجرة الأطباء انعكاسات سلبية عديدة على تقديمها الخدمات الطبية العلاجية للمرضى، بينها زيادة كلفة الاستطباب، وزيادة عدد الأخطاء الطبية بسبب السماح للأطباء المتدربين بمعالجة الحالات دون إشراف طبي، وزيادة الوفيات للحالات المستعجلة والإسعافية وخصوصا للأطفال الرضع ومرضى السرطان أو الإنتانات الدموية.

ومن التداعيات أيضا تأخير عمليات بعض المرضى وانتظارهم أشهرا عدة لإجرائها، وتحول بعض الأمراض إلى مزمنة ومستدامة، أو إعاقات بسبب التأخر بالعلاج لعدم توفر طبيب مختص.

ولجأ المواطنون إلى العديد من آليات التأقلم السلبية مثل الاعتماد على الصيادلة لتغطية احتياجاتهم الطبية.

آمنة الناطور من أهالي مدينة دوما في ريف دمشق، أشارت خلال حديثها مع منصة عين إلى أنها وعائلتها أصبحوا يعتمدون اعتمادا شبه كلّي على الصيدلية الموجودة في الحي الذي يعيشون فيه، وأنهم لا يلجؤون إلى الأطباء إلا لحالات الضرورة القصوى، بسبب ارتفاع تكاليف العلاج والكشفية عند الأطباء.

وتضيف آمنة، “راتب زوجي الشهري 100 ألف ليرة فقط، وكل شهر نحتاج لطبيبين أو ثلاثة، فعائلتنا مكونة من ستة أفراد، وإذا ذهبنا للطبيب عند مرض كل فرد منا، لن يكفي راتب زوجي للعلاج فقط، فمن أين وكيف سنعيش إذا!”.

أما في شمال شرق وشمال غرب سوريا فتم رصد نقص كبير في عدد مهم من التخصصات الطبية.

وبحسب الدراسة والبحث الذي أجرته المؤسسات الثلاثة، تعاني مناطق الشمال الغربي خصوصاً من نقص في التخصصات الدقيقة، مثل جراحه الأعصاب وجراحه الأوعية وجراحه القلب وجراحات الأطفال حديثي الولادة، وعلاج الأجنة وعلاج الأشعة التخصصية وشبكية العين، وهناك حاجة كبيرة لأطباء التخدير وأطباء الأشعة التشخيصية، كما يوجد نقص في الصيادلة وممرضي العناية الحثيثة.

وأثر نقص الأجهزة والمعدات الطبية والتشخصية على مستوى الرعاية، خصوصا مع زيادة أعطال الأجهزة وارتفاع تكلفة إصلاحها، وأكد ذلك تقارير وزارة الصحة العالمية وقطاع الصحة التابع لمكتب التنسيق الإنساني (OCHA).

واعتمد المواطنون في الشمال السوري وسائل تأقلم سلبية، فزاد الاعتماد على الصيادلة، مما أدى إلى إساءة استخدام الأدوية، ما تسبب بأمراض واعتلالات عصبية ووفيات، إضافة الى إدمان الشباب على أصناف من الأدوية وحرمان الفئات المحتاجة لها بسبب الاستهلاك المفرط.

ويعتبر الأشخاص ذوي الأمراض المزمنة أكثر الفئات تضررا من هجرة الأطباء في الشمال السوري.

ورصد الفريق الكثير من الحالات لمرضى يقومون بتجربة علاجات على أنفسهم لمعرفة فعاليتها وأضرارها الجانبية، بسبب نقص الأدوية، إذ يوجد أكثر من 20 صنفا من الأدوية الأساسية والهامة لمعالجة أمراض التهاب الكبد وغسيل الكلى والسرطانات والتلاسيميا غير متوفرة.

لمعرفة المزيد عن الواقع الطبي والصحي وتداعيات هجرة الأطباء على المرضى في سوريا يمكنكم الاستماع إلى البودكاست التالي

لتحميل الدراسة كاملة عبر ملف PDF أنقر هنا

أنتج هذا العمل بدعمٍ مالي من الإتحاد الأوروبي، أما المواد الواردة فيه، فهي لا تعكس بالضرورة آراء الإتحاد الأوروبي كما أنها مسؤولية منصة عين وحدها.

شارك:

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

منشورات ذو صلة