زواج القُصَّر، بين الماضي والحاضر

منصة عين

أحمد حيدر

كاريكتير للفنان: مرهف يوسف

“كنتُ أنظر للزواج فقط على أنه مجرد ارتداء فستانٍ أبيض وإقامة حفلة كما هو حال تفكير معظم الفتيات المراهقات”.

“لم يكن الدافع الرئيسي لزواجي العادات والتقاليد ولا الوضع المادي لعائلتي، وإنما كان دافعي الوحيد هو والدتي المريضة وهي أُم لعشرة أطفال وأنا أصغرهنَّ، التي كانت تتحمل مسؤولية تربيتنا كاملةً بينما كان والدي يتعين عليه السفر مراراً وتكراراً بحكم عملهِ في الخارج، تقول عفراء ذات الـ 41 عاماً، وهي أُم لخمسة أطفال ومقيمة في إسطنبول.

وتتابع، “تقدم لي ابن عمي وهو زوجي الآن عندما كنت في سن 14 عاماً بموافقةٍ مني دون الإجبار على ذلك، لم أكن أعلم معنى الزواج وما هي مسؤولياته، كنتُ أنظر للزواج فقط على أنه مجرد ارتداء فستانٍ أبيض وإقامة حفلة كما هو حال تفكير معظم الفتيات المراهقات”.

وتضيف عفراء، طوال فترة الخطبة والزواج لم يكن هنالك مشاكل بعلاقتنا بالرغم من تخبط مشاعري اتجاه زوجي الذي كان يراعي عمري وتصرفاتي ذلك الوقت، حتى أنني أذكر في ليلة زفافنا وعند انتهاء الحفلة التي كنتُ سعيدة جداً سعادةً لا يمكن وصفها، وعند انتهاء الحفلة ذهبنا إلى بيتيَ الجديد “بيت الزوجية”، استيقظتُ من الفرحة التي كنت أعيشها، ماذا أفعل هنا؟، الآن أريد العودة إلى بيتيَ القديم، أريد العودة إلى حُضن أمي، ولكن زوجي أحتوى الموقف وتعاطفَ مع خوفي وردة فعلي، وبالفعل في صباحية اليوم الثاني ذهبنا إلى منزل أهلي وقضيت الليلة عندهم”.

“وفي اليوم الثالث رَضختُ للأمر الواقع بأنني الآن متزوجة ولدي زوجي ومنزلي الخاص وأنني يجب أن أتعامل مع زوجي على أنني زوجته لا عفراء ابنة 14 عاماً”.

تتابع عفراء بالقول لمنصة عين، “كثيراً من الأحيان كانت لا تزال عفراء الصغيرة تُلازم شخصيتي وحتى بعد الزواج بفترات، كنتُ عندما نكون أنا وزوجي في الشارع ذاهبين إلى زيارة عائلتي مارين من جانب حديقة، كانت نظراتي الطفولية الى الحديقة تفضح تعابير وجهي أمام زوجي الذي كان يمسك بيدي ويدخلني الى الحديقة واضعاً بي على الأرجوحة كي لا أشعر بضياع طفولتي وأنا متزوجة بعمرٍ صغير.

وعند سؤالها عن مرحلة حملها، تقول عفراء، “رُزقتُ بثلاث فتيات وأنا لم أتجاوز وقتها 20 عاماً، لم أشعر وقتها بإحساس الأُمومة كنت دائماً انظر إليهنَّ على أنهنَّ مجرد أشخاص عاديين في حياتي، وعلى أنني المسؤولة على إطعامهنَّ واكسائهنَّ وتربيتهنَّ التربية الصحيحة كما تربيتُ في منزل عائلتي”.

وتضيف عفراء عن إيجابيات تجربتها، “كبرتُ مع فتياتي وكسبتُ صداقتهنَّ وثقتهنَّ بي، أعرف ماذا يشعرنَّ وماذا يفكرنَّ، أشاركهنَّ تجاربي ومشاكلي وهم كذلك الأمر، بينما معظم الفتيات يواجهنَ صعوبات في التواصل مع ذويهم ويخفنَ من مشاركتهن خصوصياتهن ومشاكلهن”.

وعن رأي عفراء حول زواج القُصَّر تقول، “إنَّ زواج القُصَّر ليس معياراً لفشل العلاقة بين الزوجين، وإنما يرجع الأمر إلى الشخص نفسه، فهناك قُصَّر يمتلكون الشخصية القوية والوعي الكافي لتأهيلهم للزواج، ولكن أنا لا أفضل زواج أو تزويج الأطفال بعمر صغير لأنهم سوف يحرمون من أجمل شيء قد يعيشونه وهي طفولتهم”.

مبادرات وجهود

تقوم منظمات المجتمع المدني السورية في تركيا ودول اللجوء في لبنان والأردن وخصوصاً النسوية منها، بحملات للتوعية بخطورة تزويج الطفلات وعودة هذه الظاهرة بقوة، خصوصاً في المخيمات في الداخل السوري أو دول اللجوء المجاورة، ولكن للأسف الحملات الإعلامية لم تؤثر في التخفيف من انتشار هذه الظاهرة حتى في الدول مثل تركيا التي يعيش فيها السوريون بحياة مستقرة نوعاً ما لأسباب عديدة، بحسب الصحفية والباحثة النسوية هدى أبو نبوت.

وتضيف هدى، “كوني باحثة نسوية أجريت بحث مفصل عن زواج القاصرات في تركيا، وخلصت النتائج إلى عدة أسباب، إذ لا يمكن لحملات التوعية أن تنهيها لأنها تعتمد على إرث اجتماعي وديني يؤمن بحق الطفلة في الزواج عند البلوغ، وهو ما يُلقى ترحيب وتشجيع شرعي بالتذكير دائماً بزواج السيدة عائشة زوجة الرسول وعمرها تسعة سنوات”.

واعتبرت أبو نبوت، أنَّ الظروف الاقتصادية شجعت العائلة بإيجاد حل كالزواج للتخلص من أعباء تربية الفتيات المالية التي لا تتحملها الأسرة، بسبب صعوبة تأمين لقمة العيش، وتزداد هذه الحاجة في المخيمات حيث تنعدم تقريباً كل الاحتياجات وتعيش أغلب العائلات على المساعدات التي تقدمها المنظمات الإغاثية الدولية.

إضافة إلى الموروث الاجتماعي الذي يدفع حماية الفتيات من خلال تزويجهن من أي حوادث اعتداء أو تحرش جنسي قد يجلب للعائلة العار في بيئة لم تعد آمنة للاجئين وغياب أي سلطة قانونية تحميهم.

دراسات وإحصائيات

تقول هدى لمنصة عين، “للأسف لا يوجد جهات رسمية قادرة على إجراء إحصاءات دقيقة بسبب الظروف الاستثنائية لتوزع السوريين والسوريات في دول عديدة ومخيمات متشعبة بالداخل ودول الجوار، لذلك لا يمكن القياس على نتائج الحملات، ولكن بالنظر إلى استمرار الظاهرة، يمكننا أن نقول أنَّ التقدم بهذا الاتجاه محدود جداً لعدم القدرة على تقديم حلول جذرية للمشكلة، وفي ضوء دراسة أعدتها جامعة حكومية تركية عام 2018 حول انتشار39% يتزوجن من الفئة العمرية (15-19) عام، 12% من السوريات يتزوجن قبل سن 15 عام”.

وتضيف، “من خلال اطلاعي على ما تقدمه منظمات المجتمع المدني من خدمات، وما تستطيع أن تحقق من دعم في هذا الاتجاه يبقى محدود جداً، ولا تستطيع المنظمات وحدها أن تواجه هذه المشكلة لأن المشكلة متشعبة وتحتاج للعمل على أكثر من محور، وخصوصاً الأسر التي من الصعب أغلب الأحيان إقناع الأب والأم بخطورة اتخاذ خطوة تزويج الفتيات، لأن منظمات المجتمع المدني لا تملك حل سحري لمشاكل العائلة المركبة”.

حلول

وعند سؤالها هدى عن الحلول، “نحن عندما نتحدث عن خط ساخن على غرار الخط الساخن لتعنيف الزوجات، للإبلاغ عن حالات تزويج القاصرات يجب أن نسأل أنفسنا بالبداية هل هناك بيئة أمنة في الداخل السوري مثلاً لتنفيذ هكذا اقتراح؟ الواقع السياسي الراهن وتعدد سلطات الأمر الواقع وغياب القانون، إضافة إلى قدرة القاصرات على الوصول لهذه الخدمة إن وجدت، تجعل الفكرة بحد ذاتها غير قابلة للتحقيق في الظروف الراهنة”.

وتتابع، “أظن أن التفاؤل في حلول سحرية بالظروف الراهنة يتحول إلى أماني لا أكثر ولا أقل، ولكن تستطيع منظمات المجتمع المدني بالتعاون مع المجتمعات المحلية لتفكيك الأفكار الموروثة والمغلوطة عن استمرار هذه الظاهرة، وذلك من خلال حملات توعية حقيقية مستمرة حول النتائج الخطيرة لتزويج الطفلات نفسياً واجتماعياً على العائلة بأسرها، لأنه في أغلب الأحيان تنتهي هذه الزيجات بالطلاق والفتاة مازالت قاصر وتعود لعائلتها مع طفل، أو أغلب الأحيان مما يزيد من أعباء العائلة التي قامت بتزويج الفتاة للتخلص من الأعباء القديمة”.

وأردفت هدى، “يجب ألا ننسى أنَّ الدول المستقرة لم تستطع أن تتخلص من هذه الظاهرة في دول عربية عديدة، لذلك العمل الحقيقي يحتاج لجهود وخطط مدروسة تساعد فيها كل القطاعات بالمجتمع، وهذا يحتاج بوضعنا السوري إلى الانتقال السياسي كخطوة أولى والعمل الجاد لاحقاً على التحقق من قوة القانون الذي يمنع تزويج الطفلات، بالتوازي مع تفكيك الأفكار الموروثة والتي من الممكن أن تبدأ بتسليط الضوء على ضرورة التحاق الفتيات بالمدارس، مما يضمن عدم زواج الفتاة على الأقل حتى 18 من العمر”.

رنا.. الحُب هو الدافع

رنا ابنة الـ 24 عاماً، مُتزوجة سابقاً وأم لطفلين من سوريا، تقول في حديثها مع منصة عين، لم أٌجبّر على الزواج من قبل والداي اللذان كانا لا يؤيدان فكرة زواجي بعمر16 من عمري، بل كانا مع ضرورة تكملة دراستي، ولكن الذي دفعني للزواج هو الحٌب وأفكار المراهقة”.

تتابع رنا، “لكن بعد فترة زواجي بفترة قليلة استيقظتُ من وهلة الحبُ لأجد نفسي أنني ضحية قرار خاطئ اتخذته بحق نفسي، لازلت طفلة صغيرة لأتحمل مسؤوليات كثيرة منها مسؤولية البيت والزوج ومسؤولية أهل زوجي وأعباء الحمل فيما بعد، عدا أن زوجي تغير وأصبحت أتعرض للتعنيف الزوجي واللفظي منه ومن أهله”.

تقول رنا، “لم أفكر باستشارة مرشد نفسي عندما كنتُ أتعرض للتعنيف من قبل زوجي، خصوصاً أمام أطفالي خوفاً منه ومن المجتمع، دائماً ما كنتُ ألجأ إلى أهل زوجي لكن بدون فائدة، حيثُ كان ردّهم لي هذا زوجك ويجب عليك تحمُلَهُ، ويجب عليك الإطاعة له، ولا تخبري أهلك كي تحافظي على بيتك وأطفالك”.

مبادرات شخصية

تقول رنا، “لم يكن هناك مبادرة مني للذهاب الى ورشات دعم نفسي وأسري خوفاً من زوجي والمجتمع كما ذكرتُ سابقاً، ولكن التجأتُ الى مشاهدة الأفلام الوثائقية المتخصصة بالنساء المُعنفات، هذا الأمر أدى بي الى تقوية شخصيتي وأعطاني دافع بأنه بإمكاني اتخاذ قراري بالانفصال وتكملة حياتي وعودتي الى دراستي ولتكملة تحقيق أحلامي التي تركتها خلف مقاعد الدراسة”.

وأشارت أيضاً، “يجب على الفتيات عدم الرضوخ للواقع التي تعشنهُ والخوف من المجتمع، وأنهُ بإمكانها تكملة مسيرتها لتكون مثل للأخريات وتكون القدوة ومصدر القوة لأطفالها، ذهبت لأهلي دون علم زوجي متخذة قراري بالانفصال، تَقبلَ والداي قراري دون نقاشٍ فيه مقدمين لي المساعدة والدعم الكامل لهذا القرار”.

وعن طلاق رنا وحقوقها، “تم الطلاق بالمحكمة نتيجة تراضي وخلع بناءً على طلبي، وبناءً على أمر المحكمة، تنازلت عن حضانة الأطفال بسبب عدم توافر منزل خاص بي وللأطفال، ولعدم توافر المقومات المادية لإعانة الأطفال وإبقائهم معي”.

وتابعت رنا في حديثها عن مستحقاتها المادية، “رفض زوجي السابق وأهله دفع مستحقاتي المادية واكتشفت فيما بعد أن المبلغ المسجل على عقد الزواج بعد تثبيته في المحكمة عندما بلغنا السن القانوني أقل بكثير من المبلغ المتفق عليه لفظياً عند عقد قراني من قبل المأذون، ولم أحصل على مستحقاتي الكاملة إلا بعد تعيين وسيط بيننا، وتنازلي عن حق حضانة أولادي والخضوع لشروط وضعها وهي أن يسمح لي بمقابلة أطفالي مرتين في الشهر”.

وتنص المادة 16 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، على أنه” يحق للرجل والمرأة، متى أدركا سنَّ البلوغ، حقُّ التزوُّج وتأسيس أسرة، دون أيِّ قيد بسبب العِرق أو الجنسية أو الدِّين. وهما متساويان في الحقوق لدى التزوُّج وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله، ولا يُعقَد الزواجُ إلاَّ برضا الطرفين المزمع زواجهما رضاءً كاملً لا إكراهَ فيه، والأسرةُ هي الخليةُ الطبيعيةُ والأساسيةُ في المجتمع، ولها حقُّ التمتُّع بحماية المجتمع والدولة”.

قانونية تزويج القُصَّر

وعن زواج القُصَّر في القانون التركي ينص القانون على أنه، “أهلية الزواج لمن أتم الثامنة عشر من العمر، وسمح بزواج من أتم السابعة عشر من العمر بشرط موافقة الوالدين، ولمن أتم السادسة عشر من العمر بقرار من قاضي محكمة العائلة”، بحسب القانوني السوري حيدر هوري المقيم في تركيا.

وأشار حيدر في حديثه لمنصة عين عن ماذا يترتب قانونياً على واقعة الزواج المبكر بحسب القانونين التركي والسوري، “في القانون التركي لا يسمح بالزواج أو تزويج القاصر خارج هذه الحالات الثلاث المذكورة أعلاه، كما أن القانون يَعتبر تزويج من هم دون سن الخامسة عشر ولو توفر قبول ورضا القاصر جرماً جنائياً تحت مسمى “الاستثمار الجنسي”، ويعاقب عليه القانون بعقوبات شديدة تصل إلى السجن لمدة تتجاوز الخمسة عشر عاما للزوج البالغ ومدة تصل لثماني سنوات لولي أمر القاصر”.

“أمَّا في القانون السوري الجديد لا يُجرم زواج القُصَّر، ولكنه يُجرم فعل عقد قران القاصرات خارج المحكمة المختصة، بالسجن والغرامة في حال عقد القران دون علم وليّ الأمر وبالغرامة فقط في حال توفر موافقة وليّ الأمر”.

أحكام وتنفيذ

وفي حديثه القضايا التي تتعلق بالزواج القُصَّر في تركيا يقول، “لا أستطيع مزاولة مهنة المحاماة، ولكن وبحكم عملي كترجمان محلف في القصر العدلي بمرسين وبحكم علاقاتي مع عدد من المحامين الأتراك، أتطلعتُ على عدد من الدعاوى الجنائية المتعلقة بجُرم تزويج القاصر، وهناك حالات تم فيها تَجريم الزوج وولي أمر القاصر، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن وتم تنفيذها، وهناك حالات تمت إغلاق ملفاتها بعد إثبات حدوث واقعة الزواج رسمياً في سورياً”.

ولكن لابد من الإشارة إلى أن الزواج خارج المنظومة القانونية لا ينتج عنها أي حق من الحقوق الزوجية سواء كان الأطراف يتمتعون بأهلية الزواج أم لا، يقول حيدر.

وأضاف حيدر عن قانونية المأذون لعقده قران القُصَّر، “في القانون السوري، عقد القران القاصر خارج المحكمة يترتب عليه السجن من شهر إلى ستة أشهر، وبالغرامة من 50.000 إلى 100.000 ليرة سورية في حال تم ذلك دون موافقة ولي الأمر، وبالغرامة من 25.000 إلى 50.000 ليرة سورية إذا كان العقد قد تم بموافقته”.

وأمَّا عقد قران من يتمتع بأهلية الزواج، فيعاقب بالسجن من عشرة أيام إلى ستة أشهر، وهذه العقوبة تشمل الطرفين وممثليهما والشهود وعاقد العقد، بالإضافة إلى تغريم من يعقد الزواج بغرامة من خمسة إلى عشرة آلاف ليرة سورية.

أمَّا في القانون التركي، لا يجوز تنظيم عقد القران الشرعي قبل تنظيم عقد الزواج الرسمي والقانوني في دائرة الزواج، وإذا حدث أن سبق عقد القران الشرعي على العقد الرسمي يعاقب من عقد العقد وأطراف العقد بالسجن من شهرين إلى ستة أشهر، “طبعاً نحن نتحدث عن عقد قران من يتمتع بأهلية الزواج” يقول القضائي حيدر.

رأي شخصي، وحلول

وعن الحلول لهذه الظاهرة يقول حيدر، “أنا لست مع فكرة الزواج المبكر بالرغم من جواز ذلك من الناحية الدينية، وذلك لأسباب كثيرة، منها ما يتعلق بالقاصر غير الناضج عقلياً وجسدياً وعدم إدراكهُ الجيد والمناسب لواجبات ومسؤوليات الحياة الزوجية، بالإضافة إلى ما نراه في أروقة المحاكم من مشكلات ناتجة عن هذا الزواج، كالطلاق المبكر وغيرها من النتائج التي تهدد سلامة ووحدة واستقرار العائلة، وبالتالي زعزعة الاستقرار المجتمعي كحالة تابعة للمشكلة.

أمَّا الحلول يفرضها القانون، إذا يجب على القانون الذي يحدد سن الزواج أن يرتب عقوبات على وقائع الزواج التي لا تلتزم بهذا السن وأن يتشدد في الشروط لعقد الزواج في الحالات الاستثنائية، وألا يُسمح بالزواج في هذه الحالات الاستثنائية إلا إذا كان في ذلك منفعة ومصلحة للطرفين” بحسب وجهة القانوني حيدر هوري”.

عواقب صحية

الطبيب النسائي عمر مصطفى في حديثه لمنصة عين، اعتبر أن “زواج القُصَّر من الناحية الطبية دون سن 18، وكل منطقة لها خصوصيتها بالنسبة للنضج عند الفتيات، فالمناطق الحارة يكون فيها النضج الجسدي مبكر، على اختلاف بعض المناطق الباردة فممكن أن تصل الفتاة إلى عمر 20 عاماً حتى يصبح لها نضوج جسدي كامل، ولكن حسب المناطق التي نعيش فيها يعتبر سن النضج هو 18”.

وأضاف الطبيب عمر، “في مجتمعنا هذه الظاهرة ليست للحرب أو الوضع الاقتصادي علاقة وإمَّا هي عادات وتقاليد في سوريا عند مناقشة الأهل عن دوافع تزويجهم لأطفالهم بسن مبكر، للأسف في آخر أربع سنوات مضت شهدت على حالات صحية لفتيات حوامل وهنَّ دون سن البلوغ، لسنَ ناضجات جسدياً وجنسياً وغير قادرات على الولادة، عدا أنهنَّ لسنَ على دراية كافية بالتربية وواجبات ومسؤوليات الزواج، وواجهنا حالة طبية مستعجلة ناتجة عن الزواج من مواليد 2011 أي عمرها تسع سنوات.

وعن المخاوف يقول الطبيب عمر، “إنَّ ظاهرة زواج القُصَّر التي تتم عن طريق المأذون دون دراية المحاكم القضائية ونقص وعي من الأهل ودرايتهم بالأمور الصحية، فيجب على المقبلين على الزواج إجراء بعض التحاليل والفحوصات الطبية لإثبات خلوهم من الأمراض الوراثية، وسلامتهم من بعض الأمراض المعدية التي تنتقل بين الزوجين مثل: فقر الدم المنجلي والتهاب الكبد وبعض الأمراض التناسلية”.

وأشارَ عمر، “يجب على القانون تجريم زواج القُصَّر وإدراج عقوبة تردع الأهل والمأذون وملاحقة المأذونين تحديداً، سواء كانت العقوبة مادية أو عقوبة سجن”.

الفقه والدين

يحقُ الزواج فقهياً لمن يتم سن البلوغ وأن يكون المرء عاقل، راشد، وأن يَستطيع التمييز والإدراك بين الصح والخطأ، وبالتالي لا يوجد شيء يُسمى زواج القُصَّر في الإسلام، يوضح أستاذ الشريعة الإسلامية ماهر خولاني المقيم في إسطنبول.

ويُتابع ماهر في حديثه لمنصة عين، “إنَّ مُصطلح زواج القُصَّر جاءَ فيما بعد الإسلام ونشأ في المجتمعات المتمدنة حيث لا يجوز الزواج بأقل من العمر القانوني التي تضعه الدولة التي هو أو هي فيها، العمر سواء عند الذكر البالغ أو الأنثى البالغة عامل أساسي في حفظ وحماية الحقوق والواجبات، ولتكوين أُسرة صحيحة ويُساعد على تربية الأولاد تربية سليمة أيضاً”.

الآثار الناتجة

وعند سؤال خولاني عن المعوقات التي قد تواجه كلا الزوجين مستقبلاً، يقول، “كما ذكرت سابقاً أنَّ العمر عامل ضروري عند الزواج، بلا شك إذا تم الزواج بعمر صغير فالعلاقة مهددة، لأنه لا يوجد أي خبرة في الحياة سابقاً، أو أن أحد الزوجين قد لا يكون على المستوى المطلوب من الوعي الكافي لاحتضان أي مشكلة قد تنشأ بين الزوجين، إضافة إلى نقطة مهمة جداً وهي، عندما يصبح الحمل ويرزق الزوجين بأطفال، سوف ينعكس الأمر كلياً على الطفل نتيجة نقص الوعي والإدراك لدى الوالدين، ولن يتلقى الطفل الرعاية الصحيحة الكاملة”.

ويضيف ماهر، “بالنسبة للفتيات فإن زواج القاصرات إلى بلاد المغترب أخطر من الزواج ضمن البيئة والمجتمع المستقر التي نشأت وترعرعت فيه، فالفتيات اللاتي يتزوجنَّ بالقرب من عائلتهم يبقى لهنَّ الاحترام وحفظ الحقوق أكثر، على غرار اللاتي يتزوجنَّ إلى الغربة وهنَّ قاصرات، الأمر الذي قد يعرض الزوجة نفسها إلى التعنيف والإهانة إن لم يكن شريكها زوجاً صالحاً”.

الخصوصية النفسية لهذه الظاهرة

رمزية طه دبلوم تأهيل تربوي مقيمة في غازي عينتاب، أوضحت في حديثها لمنصة عين عن الآثار النفسية الناتجة عن زواج القُصَّر وقالت، “للأسف الشديد في الحروب والأزمات التي تجري في منطقة معينة يكون أولى ضحاياها هم الاطفال، خاصة الفتيات اللواتي ينحرمنَ من فرص التعليم وعيش طفولتهنَ التي من حقهم أن يتمتعوا بها”.

تقول رمزية، أحياناً الأوضاع الاقتصادية السيئة تجبر الاهل على تزويج فتياتهن حتى يخففوا عنهم القليل من العبء المادي، ولكن الجانب الأسوأ أنَّ هناك مجموعة من الأهل يقومون بتزويج بناتهنَ القٌصَّر خوفاً من العار، حيث إنهم يخافون أن يستخدموا الفتيات كسلاح حرب.

وتشير رمزية، الأمر المشابه بالنسبة للذكور القُصَّر حيث يقومون الأهل بتزويج أولادهم نتيجة بعض العادات والتقاليد التي تفرض عليهم أن يتزوج إحدى أقربائه لأن الأهل لا يريدون تزويجها لرجل من خارج العائلة.

أما في ظروف الحرب التي تمر بنا شهدنا زواج شباب تحت سن 18 من زوجة أخيهم الذي استشهدَ نتيجة القصف والأهل يخافون من أن يبتعدوا عن بيت “الجد”، وأسوء أسباب زواج القصر ايضاً هو زواج المصلحة حيث يصبح الزواج مثل أي صفقة تجارية يتم تزويج البنات من أجل المال، وبهذا نرى بأن العادات والتقاليد ليست السبب الوحيد لزواج القصّر، ولكن هناك أسباب أكثر خاصة في ظروف الأزمات”.

وتضيف رمزية، “قامت العديد من المنظمات المجتمع المدني بحملات توعية من أجل زواج القاصرات، ولكن هذا الأمر لا يمكن حله فقط عن طريق حملات التوعية فقط، ولكن يجب حل الأسباب التي تدفع الأهل لتزويج أولادهم القُصَّر كالأسباب الاقتصادية.

مقارنات

“في فترة التسعينات و2000 بدأ الناس بتفكير بطريقة جيدة نوعاً ما، حتى أنَّ مستوى التعليم لدى الفتيات ارتفع بشكلٍ ملحوظ، وهذا يَنُم عن ارتفاع مستوى الوعي لدى الأهل ولكن نتيجة ظروف الحرب تراجع مستوى التعليم وساءت الأمور المادية التي أدت إلى عمالة الأطفال، وبهذه الحالة فقد الطفل هويته الطفولية وبدأ يُمارس دور الرجل الصغير وهذا يدفع الاهل إلى تزويجه بحجة أنه أصبح قادراً على حمل المسؤولية، الأمر ذاته بالنسبة للفتيات اللواتي ينخرطن في سوق العمل بشكلٍ مبكرٍ، ويدفعه للإحساس بأنهم قادرات على أن يَكنَّ أُمهات صغيرات”، تقول زهرية.

وأشارت المرشدة التأهيلية زهرية طه على أنَّ هنُاك العديد من حالات الزواج المبكر التي شهداها في

2019 – 2018- 2017 في الداخل السوري، ولكن للأسف لم تكن لتستمر لأكثر من شهرين أو ثلاثة لأن الزوج والزوجة أطفال وليس لديهم ادنى مقومات استمراريه الزواج وهي القدرة على اتخاذ القرار وبالتالي يكون الزوج والزوجة بمثابة أحجار شطرنك بيدي ذويهم.

“أعتقد أنَّ الأمر أصبح مضبوط بشكل أكبر عندما بدأت الحكومة التركية بفرض غرامات على كل من يقوم بتزويج قصّر، وقد تصل في بعض الأحيان إلى السجن”.

وأردفت زهرية، “إذا أردنا التحدث عن النتائج المادية فقد يتم إنجاب أطفال جدد لأطفال صغار غير مؤهلين على تحمّل المسؤولية الأبوية، وقد يسبب خسائر مادية كالنفقة بعد الطلاق، أما النتائج النفسية فقد يحصل شعور بعدم الأمان بخوض تجربة الزواج مرة أخرى بعد زواج فاشل كان مخطط له من قبل الأهل.

واقترحت زهرية، طبعاً هناك ما يسمى بشجرة حل المشكلات التي يُنظر من خلالها إلى أسباب المشكلة وبالتالي تُصبح هذه الأسباب أهداف نسعى لتحقيقها.

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “JHR” صحفيون من أجل حقوق الإنسان” بتمويل من برنامج عالم كنداGlobal Affairs Canada.

شارك:

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

منشورات ذو صلة