أطفال سوريون يعملون في مهنة النباشة ويتم استغلالهم

منصة عين

أحمد حيدر

“الحمد لله هذا العمل ومردوده جيد جداً بالنسبة لبقية الوظائف، أعمل في مهنة النباشة منذ عدة سنوات وأمتلك اليوم سيارة أجمع بها الكرتون والبلاستيك، ويعمل لدي أكثر من طفل منهم إخوتي وأولاد أقربائي وهم دون سن15 عاماً، أطعمهم وأؤمن لهم السكن وأوفر لهم كل احتياجاتهم”، هكذا وصف حميد ابن مدينة ريف حلب والمقيم في غازي عينتاب عمله في هذه المهنة خلال حديثه مع منصة عين.

ويضيف حميد، “لسنا بحاجة دعم من المنظمات أو الجمعيات المعنية بالسوريين التي لا نفع ولا جدوى منها، ولا لحماية من القانون التركي، لأننا لا نعمل بشكل خاطئ أو يُسيء لسمعة هذه المهنة، ولم نتعرض لمضايقات من البلدية سابقاً”.

ولم يرغب حميد بالإفصاح عن أية تفاصيل أخرى عن مهنته، واكتفى بالقول أنه يعيش من خلال عمله هذا، ويؤمن لنفسه ولعائلته وأقاربه حياة كريمة.

هذا العمل أفضل من اللجوء إلى التسول

محمد، 12 عاماً، وهو أحد أقرباء حميد ويعمل معه في مهنة النباشة، التقينا به عند مرورنا في أحد الأحياء في مدينة غازي عنتاب، ويقول، “أخرجُ في الصباح الباكر ويتم توزيعي مع بقية الأطفال من قبل حميد على عدد من حاويات القمامة مع أكياس لجمع البلاستيك والكرتون، وعندما ننتهي من جمع الأكياس يأتي حميد ليأخذنا ليتم فيما بعد إعادة توزيعنا مرة أخرى على عدد من الحاويات، وهكذا حتى بقية اليوم”.

وعند سؤال محمد عن حصته من هذا العمل، “أنا هنا في تركيا منذ سبعة أشهر، لا أحصل على راتب أو نسبة من عملي، فحميد يؤمن لي السكن والملبس والطعام ويرسل لأهلي في آخر كل شهر مبلغ من النقود وهي حصتي من العمل، ولكن أحياناً يعطيني حميد مبلغاً زهيداً من النقود لأبقيه معي”.

وفي حديثه لمنصة عين عن مستقبله يقول محمد، “أنا لا أريد الدراسة ولا أن أتعلم يكفي أن أعمل لكي أستطيع أن أرسل لأهلي مصروف شهري يعتاشون منه، هذا العمل أفضل من اللجوء إلى التسول وطلب المال والطعام من الناس”.

قانونية النباشة

اللوائح في تركيا تنظم هذه المهنة، وتحظر جمع النفايات وفرزها إلا بما يتفق مع اللوائح الناظمة لهذا العمل، إذ يتوجب على الراغبين بالعمل في مثل هذا المهنة الحصول على التراخيص القانونية المطلوبة، وتعتبر البلديات هي الجهات المسؤولة عن هذا الأمر، أي أنه لا يجوز لغير المصرح لهم بجمع النفايات القيام بمثل هذا العمل، وذلك بحسب حديث القانوني حيدر هروي والمقيم في مرسين”.

ويتابع القانوني حيدر، “أما عن وجود هذه الظاهرة في تركيا، فهي موجودة قبل مجيء السوريين إليها، بدليل صدور اللوائح الناظمة لهذه المهنة قبل دخول السوريين إلى تركيا، ويمكننا القول بازدياد أعداد العاملين في جمع النفايات القابلة للتدوير مع مجيء اللاجئين لأسباب تتعلق بعدم توفر فرص العمل أحياناً، وأحياناً لعدم رغبة أو قدرة العاملين فيها بالعمل في مجالات أخرى”.

وأشار حيدر في حديثه عن العقوبات القانونية لمهنة النباشة، “بما أنَّ اللوائح الناظمة لهذه المهنة تمنع لغير المصرح لهم بالعمل في هذا المجال، فحتماً سنكون أمام عقوبات ستفرض على من يعمل بدون الحصول على التصريح، وهذه العقوبة تكون متمثلة بالغرامات المالية، وإن كانت منشآت، فتكون بالغرامة وإغلاق المنشأة بالإضافة إلى مخالفات مالية تتعلق بمخالفة قانون العمل وقانون البيئة”.

وأردف القانوني، “بشكل عام يمنع قانون العمل تشغيل الأطفال، وإذا سَمحت لهم فيكون ذلك بشروط متشددة شريطة ألا تكون تلك الأعمال التي سيعملون مؤثرة على سلامة الأطفال الصحية والنفسية والجسدية والأخلاقية، وألا يؤدي عملهم إلى التوقف عن الذهاب إلى المدرسة”.

“العقوبات غالباً هي الغرامة المالية، وإذا كان ولي الأمر سبباً في عمالة الطفل في مثل هذه المهنة فقد يصل الأمر إلى انتزاع الأطفال من بين أيديهم، وتحويلهم إلى مراكز رعاية خاصة” يقول القانوني حيدر.

ويضيف، “ولكن وبشكل عام ومن وجهة نظر خاصة، فأرى أن هناك تساهل مقنع في التعامل مع العاملين في مثل هذا العمل لأسباب كثيرة، ومن أهمها عدم انتشار الحاويات الخاصة بكل نوع من النفايات في شوارع المدن والبلدات، بالإضافة لقلة الشركات التي تعمل في مثل هذا المجال، ويكون التساهل كبيراً وبشكل خاص مع اللاجئين، إذ من النادر بالرغم من ملاحقات البلديات لهم وتغريم العاملين بالغرامات المالية، ولكن الأمر مختلف بالنسبة للمنشآت التي تقوم بشراء هذه النفايات من العاملين، إذ تتشدد الدولة بضرورة حصولها على تراخيص رسمية للقيام بمثل هذا العمل”.

النفقات تزداد

يقول عمر 27 عاماً ومقيم في مدينة غازي عنتاب جنوب تركيا، أن هذا العمل يغنيه عن الحاجة للجوء إلى بعض المنظمات والجمعيات الإنسانية المعنية بشأن السوريين في تركيا، ويضيف، “أنا مُسجل في عدد من الجمعيات الإغاثية منذ أكثر من ثلاث سنوات وإلى الآن لم يتم الرد على طلبي، هل يجب أن أنتظر دوري ثلاث سنوات للحصول على المساعدة؟!”.

يضيف عمر، “كنتُ أعمل في معملٍ للخياطة والذي يملكه معلم سوري، ولكن تدني الراتب وعدم توفر الحوافز التي قد تساعدني في توفير متطلباتي أنا وعائلتي ودوام العمل الطويل، دفعني للعمل في هذه المهنة، حيث إنني أعمل بدون رقابة وبدون ضغط من رَب العمل، إضافة إلى مردود هذا العمل الذي يغطي لي احتياجاتي واحتياجات عائلتي ويوفر لنا حياة جيدة نوعاً ما.

ويتابع عمر، “إن هذا العمل لا يقتصر على الذكور والسوريين فقط، بل أنه يوجد من فئة النساء والأطفال ومن الجنسية السورية والتركية أيضاً”.

وأشار عمر خلال حديثه عن مخاطر هذه المهنة، “لا يوجد عمل يخلو من المخاطر، ولكن هذا الأمر يعود إلى الشخص نفسه إذا كان قادراً على احتواء المشكلة لتجنب تداعياتها أم لا، ولكن للأسف الخطر الأكبر يقع على الأطفال أنفسهم، فمن الممكن خطر هذه المهنة أن يعرض الطفل إلى الملاحقة القانونية والاعتقال من قبل البلدية في بعض المناطق، هنا في غازي عينتاب شهدت على حادثة اعتقال البلدية لطفل من أبيه الذي كان يعمل معه في النباشة، وبعد ما تم اعتقاله تعهد الأب بعدم خروج الطفل للعمل معه مرة ثانية، وإلا سوف يتم سحب الطفل من عائلته ووضعه في دور رعاية تابعة للبلدية”.

كما وتنص المادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، على أنهُ، لكلِّ شخص حقُ العمل، وفي حرِّية اختيار عمله، وفي شروط عمل عادلة و ُمرضية، وفي الحماية من البطالة، ولجميع الأفراد، دون أيِّ تمييز، والحقُ في أَجرٍ متساوٍ على العمل المتساوي.

الحالة الاجتماعية والنفسية

تعتبر ظاهرة النباشة قديمة وهي بازدياد مستمر بسبب تردي الوضع المعيشي والفقر وقلة فرص العمل والظروف الاجتماعية، وهي لا تقتصر على جنس محدد أو فئات عمرية محددة، بحسب السيدة ندى المقداد مديرة فريق ويبقى الأمل التطوعي ومسؤولة التنمية البشرية في الجمعية العامة للمكفوفين”.

وتتابع ندى، “من خلال بحثنا واجهنا أطفالاً بعمر الثلاث سنوات أو دون12 عاماً، ذكوراً وإناث يخرجون للعمل بالتنقيب في القمامة مع ذويهم أو أخوتهم الأكبر سناً ينقبون عن علب البلاستيك والكرتون والمعادن، لكي يجمعونها ويتم بيعها بأسعار جيدة، كما أصبحت هذه الظاهرة مألوفة وتنتشر على نطاق واسع من تركيا، وقد نشاهد مجموعات منهم في المدن الكبرى والصغرى وفي أرياف المدن أيضاً”.

وتشير ندى في حديثها عن الأسباب التي تدفع هذه الفئة للنزول إلى الشوارع والتنقيب في الحاويات، “من خلال دراسة بعض الأسباب لهذه الظاهرة وهي حاجة هذه الفئة إلى المُعيل وعدم توافر فرص العمل والهروب من الفقر، إضافة إلى وجود الفساد في بعض المنظمات التي تحرم بعض الناس المستحقة من المساعدات التي يمكن أن يحصلوا عليها”.

وأردفت المقداد، “إنَّ هذه الظاهرة تؤثر سلباً على الحالة الاجتماعية وتعكس الواقع المعيشي المتردي للسورين في تركيا، أمَّا بالنسبة للأطفال الذين يمتهنون هذه المهن إن لم يتم إيجاد حلول لها قد يكون تؤدي إلى حالات مرتفعة الخطورة على مستقبل هؤلاء الأطفال، وأولها فقدان التعليم والتسرب الدراسي وعمالة مضرة بصحته الجسدية، لأنه يعمل ضمن بيئة مليئة بالجراثيم وخصوصاً في زمن الكورونا ومتحوراته، عدا عن العادات السلبية التي قد يكتسبها من المحيط والتي تكون غالباً غير خاضعة إلى رقابة كالتنمر، والتحرش، والاعتداء اللفظي والجسدي، كما أنهُ يمكن أن تتفاقم هذه العادات مستقبلياً إلى حيازة وتعاطي المخدرات و السرقة”.

“وللأسف لم نستطع الوصول إلى إحصائيات ثابتة للأطفال الذين يمتهنون هذه المهن، ولكنها في ازدياد بشكل ملحوظ”.

وعن الحلول أشارت ندى المقداد، “يجب على كل المنظمات المعنية بالسوريين والأطفال خصوصاً، التي تعمل في تركيا والداخل السوري أن يستهدفوا الفئات الأكثر ضعفاً ومرتفعة الخطورة التي تعاني من العمالة والتشرد والمشكلات الاجتماعية والغير مصحوبين، أن يتم دراسة هذه الحالات مع دراسة الأسباب التي دفعت بالأطفال للعمل، هل هي الظروف المعيشية القاسية، هل أنَّهُ لا يوجد معيل لهم، أو الأم، أو زوجة الأب، وبهذا الأمر يعتبر الطفل حالة فردية يتم دراستها ومعالجتها”.

وتضيف المديرة ندى، “يجب أن تُعتبر معالجة هذه الظاهرة الاجتماعية من الأولويات التي يجب على المنظمات والجمعيات العمل عليها، وأن يتم استهداف الحالات مرتفعة الخطورة وما بعدها المتوسطة وصولاً للحالات المتدنية، وأن يكون لديهم برنامج موحد وذلك من خلال إقامة تدريبات مهنية تمكنهم من دخول سوق العمل، وإنشاء مشاريع تنموية تحسن من مستوى الوعي والتعليم لديهم، وتنسيق التعاون فيما بين المنظمات والجمعيات على نطاق واسع وبهذه الحالة يتم معالجة هذه الظاهرة، على غرار ما يتم استهدافه حالياً من قبل بعض المنظمات المعنية بالسوريين في تركيا والداخل السوري المحرر، من خلال تقديم مساعدات مادية لحالات متوسطة الخطورة، وصرف مساعدات مالية طائلة لإكساء بعض بيوت اللاجئين الذين لا تدعوا حاجتهم الى كل تلك المساعدة، بينما يتم التغاضي عن وجود الأطفال في الشوارع بدون مأوى”.

شارك:

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

منشورات ذو صلة