انتفاضة السوريات في تركيا وحملات التغيير

منصة عين

نزار محمد

كان للجوء تأثير كبير على النساء السوريات في تركيا، فاختلفت نظرة النساء السوريات لأنفسهن، وطرأ تطور واضح عليهن في مختلف مجالات الحياة، وتمكنت المرأة السورية من تحقيق التأثير والعمل وتحقيق نجاحات كبيرة ساعدتها في إعالة نفسها وعائلتها، خاصة من فقدن معيل أسرتهن.

فتيات سوريات يحضرن فصلا دراسيا في مدينة أورفا التركية (AFP)

ووجدت المرأة السورية نفسها في مواجهة مسؤوليات جديدة، أجبرتها على خوض صراع يومي بمفردها للبقاء وعائلتها على قيد الحياة، في واقع فُرِضَ عليها فرضاً فصمدت أمامه بشجاعة، وأصبحت الناشطة والمعلمة والعاملة، والقائدة، والطبيبة، والأم.

ناضلت الكثير من النساء السوريات في تركيا خلال سنوات اللجوء وشاركت في حملات التغيير على الصعيد الشخصي والاجتماعي والقانوني ونقلن هذه المكتسبات الى أقرانهن.

وكانت النتيجة حصولهن على العديد من المكاسب مقارنة بالوضع السابق في بلدهن سوريا.

“كأني ولدت من جديد”

تقول اللاجئة السورية مروى المقيمة في مدينة غازي عنتاب أنها تشعر بأنها ولدت من جديد، واصفة حياتها الجديدة في الاغتراب، بعد أن تغير محيطها ومجتمعها بشكل كامل في تركيا، وتقول مروى، “لجأت إلى تركيا منذ ستة أعوام، شعرت حينها أنني في كوكب آخر، لغة جديدة وعادات جديدة ومجتمع جديد، ويجب أن أبني كل شيء من الصفر، كان عمري حينها 25 عاماً، اليوم أصبحت أعمل مع الأتراك وأتعامل معهم بطرق مختلفة عما كنت أعيشه في سوريا، وأصبح من الغريب لدي أن ألتقي بشخص سوري قادم إلى تركيا، فأنا انطبعت بعادات وتقاليد الأتراك، وأصبح طفلي مثلهم، لا أريد أن أقوم أن ذلك سلبي أو إيجابي، ولكن هذا تم فرضه علينا وعلينا مجاراته، لا أن نقعد ونلطم ونقول لا نستطيع أن نفعل شيء”.

“أدير عملي وحدي”

لاجئات سوريات خلال دورة في مركز لتدريب الخياطة في مخيم للاجئين السوريين بتركيا (أسوشيتد برس)

على الرغم من الظروف الصعبة التي واجهت اللاجئات السوريات، إلا أنهن كنّ نموذجاً في المكافحة والتحدي، تُدير سلمى اللاجئة السورية المقيمة في مدينة إسطنبول مشغلاً للخياطة، واستلمت إدارته بعد أن كانت موظفة فيه، وبعد أن أثبتت كفاءتها في العمل والتزامها به، تقول سلمى، “كان التزامي في عملي معياراً كبيراً لنجاحي، وتطوير منصبي الوظيفي، أشعر اليوم بالاستقرار ولا عوائق أمامي الآن فأنا أعيل عائلتي وأساعد والداي”.

“لم أستطع التغير”

في المقابل، هناك نساء كثر لم يؤيدن نهج التغيير، وأردن البقاء كما كن في سوريا من جميع النواحي، وفضّلن البقاء على وجهة النظر التقليدية في الحياة والعمل والزواج.

وجدت عائلات سورية نفسها في حالة أقرب إلى الصراع مع التغييرات الاجتماعية والعلاقات الأسرية، التي فرضت نفسها على حياة اللاجئين السوريين، صراع يتمثل في صعوبة التمسك بنمط الحياة والتربية الاجتماعية التي اعتادوا عليها في سوريا وبين أنماط جديدة لم يكونوا يقبلونها لو كانوا في سوريا.

وتجد كثير من الأسر السورية اللاجئة في تركيا صعوبة في الانسجام مع أنماط العلاقات الاجتماعية الجديدة، وتحاول الموازنة بين ما اعتادوا عليه وبين ما يفرضه الواقع في غربتهم القسرية.

اللاجئة السورية، وفاء، ربة منزل تنحدر من ريف حماة، كانت تجد صعوبة في الانسجام مع أنماط المتغيرات الجديدة في التعامل مع بناتها، لا سيما أنها من بيئة محافظة.

تقول وفاء: “كنت يومياً أعيش صراعا مع بناتي، لقد كبرن وكبرت معهن المطالب، وفي حال لم آذن لهن بالذهاب مساءً إلى الكافيتريا مع صديقاتهن، على سبيل المثال، يتحوّل البيت إلى جحيم، لم أعتد على حفلة عيد الميلاد، والرحلات المختلطة، والقراءة في المكتبات العامة”.

وتتابع الأم باستغراب: “إنّهن يطالبن بحفلات عيد الميلاد، لهنّ ولصديقاتهن، لم أكن أعرف هذا العيد من قبل إلا على التلفاز”.

وتحاول وفاء أن تحدث توازنا، فلا تمنع كل شيء عن بناتها، كما لا تخبر زوجها بكل شيء، لكنّ هذه الحالة من عدم التوازن لها نتائج سيئة، كما ترى السيدة الأربعينية.

وفي محاولة منها لتحسين الواقع، سجّلت وفاء مع بناتها في المعهد، الذي يتعلمن فيه اللغة التركية، لتكون أقرب إلى الواقع الذي تعيشه الصبايا، ولتزيل عن عاتقها اتهامات بناتها لها بالتخلّف عن الحياة السريعة.

وتتابع: اكتشفت خلال تجربتي في المعهد أن هناك أشياء كثيرة يجب أن يعطى بها الأبناء الحرية في اختياراتهم لتتكون عندهم قدرة على مواجهة الظروف، وبدأت أتقبل كثيراً من تصرفات بناتي وأقنعهن ببعض قناعاتي وما تربينا عليه، ووصلت إلى ما يشبه حالة وسطية بين قناعاتي والمحيط الجديد، ولا يخلو الأمر من الصعوبات بسبب فروقات كثيرة في الحياة وسلوكيات الجديدة في المجتمع”.

نظرة المجتمع

تقول الأم سوزان الرجل وهي أم لطفلين إنها درّست أبناءها خلال إقامتها في السعودية بمدارس بريطانية، وهناك تعلّم الأولاد اللغة والعادات، وخالطوا على مدار سنوات طويلة أشخاصاً من جنسيات عدّة.

وتشرح الأم أن أبناءها يستخدمون اللغة الإنجليزية حتى في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يبحرون في الصفحات البريطانية أو الأميركية ويدخلون في النقاشات ويتعلمون.

لكنهم يصطدمون في المجتمع هنا، وتروي الأم قصصاً وقعت مع أبنائها، فهم “لا يحبون المجاملة، ويتحدثون الصراحة، لكنّ ذلك لا يروق للأتراك تماماً كما لا يروق للعرب”.

وتضيف: أبنائي يرفضون إرث العادات الاجتماعية، لم يتفهموا حتى الآن سبب تدخل السوريين مثلاً بلباسنا وقصّات الشعر وأسلوب الحياة، والتمييز بين الذكر والأنثى، والأديان وما إلى ذلك.

وفضّل أبناء سوزان الانعزال، واقتربوا من حالة الاكتئاب، وبدأت مخططاتهم تتجه نحو الهروب إلى أوروبا، بحسب ما تقول، مؤكّدة أنّ مشكلتها في هذا التباين بين أبنائها وبين المجتمع الراهن في تركيا جميعاً.

“ديكتاتورية المنازل”

الخبير والمستشار الأسري الدكتور محمود الحسن، يرى أنّ المشكلة تكمن فيما أسماها “الدكتاتورية التربوية التي تتعامل بها معظم الأسر السورية، وعدم إعطاء أبنائهم فسحة من الحرية لخوض تجاربهم الخاصة والوصول إلى قناعاتهم”.

ويقول الاستشاري الأسري الذي يدير مركزاً للتدريب في إسطنبول: “التربية الأولى والتي تعتمد على الإعداد الجيد للأبناء ستعطيهم قوة للعيش بأي بيئة من دون الخوف عليهم، وأثبتت التجارب أن البيئات المغلقة هي الأكثر معاناة مع الأبناء لأنها لم تعطهم حرية التجربة والمعرفة فكانت صدمة قوية بين الأبناء والأهل”.

وحذّر الحسن، من أنّ هذا الصراع بين الأهل والأبناء، قد يتسبب بأذى نفسي يصل بكثير من الحالات إلى الاكتئاب أو ترك المنزل أو حتى الانتحار.

اضطرار وإرادة

المحامي السوري محمد خشروم أشار إلى أن المرأة السورية اضطرت للدخول في سوق العمل منذ بداية الحرب في سورية، وكان دخولها إرادياً أحياناً نابعاً من حرمانها في حقها في العمل في بعض المجتمعات الريفية السورية، وأحياناً أخرى كان اضطرارياً كونها أصبحت وحيدة وتحتاج إعالة نفسها وعائلتها، بحسب المحامي خشروم.

يضيف المحامي، “بالنظر لواقع النساء السوريات المعيلات نجد أن الشريحة الأوسع من هذه الفئة لا تمتلك مهارات تؤهلها لكسب العيش، فالمستوى التعليمي لمعظمهن هو مرحلة التعليم الابتدائية أو الأمية، بينما نسبة من حصلن على الشهادات الجامعية لا تشكل نسبة كبيرة منهن، إلا أن ذلك لم يقف عائقاً أمامهن، واستطعن الخروج من عباءة البقاء في المنزل وشهدنا على نجاحهن في مناسبات عدة، وبرغم ذلك، لا زالت مجتمعاتنا العربية وبالأخص السورية تحارب عمل المرأة في الكثير من الأحيان، وتأتينا قضايا كثيرة لنساء تعانين من العنف المنزلي والحرمان من الكثير من حقوقهن”.

تكامل اجتماعي للسوريات

مراكز تكامل اجتماعي تؤهل السوريات للحياة – الأناضول

ضمن أهدافها الرامية إلى ضمان اندماج اللاجئات السوريات في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، افتتحت جمعية “المرأة والديمقراطية” (KADEM)، مراكز تكامل اجتماعي في ولايات تركية عدة، ضمن أهدافها الرامية إلى ضمان اندماج اللاجئات السوريات في الحياة الاجتماعية والاقتصادية.

وقالت رئيسة الجمعية “سارة آيدن يلماز”، إنهم يقومون بمشاريع خدمية متنوعة منذ 3 أعوام تجاه النساء السوريات اللاجئات في تركيا، بهدف المساهمة في مجال اندماجهن بالمجتمع التركي.

وأشارت يلماز إلى أن الجمعية، وفي إطار مشاريعها الخدمية، افتتحت مراكز تكامل اجتماعي للاجئات السوريات، عقب رصد ميداني واسع النطاق.

وأضافت: “اكتشفنا أن السوريات بحاجة ماسة إلى الاندماج في المجتمع التركي، ولاحظنا أن هناك ضعفا كبيرا في اللغة التركية، وهناك من يعاني صعوبة في التخلص من آثار الحرب”.

وأكدت أن الجمعية التركية افتتحت أول مركز للتكامل في ولاية غازي عنتاب جنوبي البلاد، ثم قررت افتتاح مراكز أخرى في ولايتي سقاريا وإسطنبول، بعد رصد الاحتياجات الملحة.

يلماز، دعت جميع السوريات إلى زيارة مراكز التكامل التي تحرص على تحقيق اندماجهن من جميع النواحي، وفي مقدمتها اللغة، وتعمل على تهيئتهن للحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

وأكدت يلماز أن هناك نساء سوريات يتقن لغات مختلفة، مثل الفرنسية والإنكليزية، وهذا الأمر من شأنه أن ينعكس إيجابا على النساء التركيات، ويجب الاهتمام بهن عن كثب.

وأشارت إلى أهمية تدريس الأطفال السوريين في مدارس مشتركة مع الأتراك، من أجل تسهيل عملية الاندماج، مشيدة بجهود وسياسات وزارة التربية التركية في هذا الإطار.

وتابعت: “تدريس الأطفال السوريين مع الأتراك في صفوف واحدة، يسهم أيضا في اندماج العائلات، وبالتالي تأسيس صداقات أو حتى روابط عائلية جديدة بين كلا الطرفين مع الزمن”.

ومن الخدمات التي يقدمها المركز، تنظيم دورات مهنية لتعليم النساء السوريات والتركيات فنون الخياطة والتصميم والتصوير، لتعزيز خبراتهن في الحياة اليومية بالمجتمع.

دور جمعيات الدعم والتمكين

في أحيان كثيرة تضطر النساء المعيلات للتكيف مع الظروف الاقتصادية إلى تقليل النفقات للحد الأدنى، من خلال تقليل عدد وجبات الطعام أو التقليل من نوعية الطعام، ولمواجهة غلاء ايجارات السكن تضطر الكثير من الأسر للإقامة في مساكن تفتقر للحد الأدنى من الشروط الصحية، أغلب اللاجئات يشعرن بالخوف من المستقبل المعيشي ويرافقهن هاجس عدم الاستقرار، الذي يزيد من صعوبة التخطيط للمستقبل.


وتعد النساء المعيلات أكثر الفئات احتياجاً للدعم والمساندة، لذا لابد من دعم النساء في الدخول لسوق العمل من خلال توفير فرص التدريب والتأهيل، وإقامة برامج دعم فئة النساء المعيلات للحصول على مساعدات مادية، وتيسير فرص التعليم لأولادهن، وتزويدهن بالمشورة المناسبة للمشكلات الاجتماعية والنفسية، وتنمية إمكانات النساء ليتمكن من الخروج من دائرة الفقر.

وتنص المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه “لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كافٍ للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية، وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة، وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمّل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته”.

السوريات بالأرقام

تزايدت نسب النساء السوريات المعيلات بحسب تقرير لمفوضية اللاجئين الصادر عام 2014، حيث بلغت نسبتهن 25% من اللاجئات السوريات في ذلك الوقت ثم ارتفعت هذه النسبة حتى يومنا هذا، إذ تشير دراسة أممية حديثة تتعلق بأوضاع النساء في تركيا أن النساء يرأسن 60% من أسر اللاجئين السوريين في تركيا، كما تتحملن أيضاً مسؤولية رعاية أطفالهن وأفراد الأسرة الآخرين.

وفي ذات السياق، أكد تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الصادر عام 2019، أن النزاع المسلح فرضَ على السوريات تغييراً ثقيلاً، فقد تسبَّبت الحصيلة المرتفعة للقتلى والمختفين في انتقال عبء إضافي إلى المرأة، حيث ارتفعت نسبة الأُسر التي تُعيلها السيدات، وبالتالي لعبت السيدات دوراً جديداً يُضاف إلى أدوارهنَّ الاعتيادية، وخضعن إلى ظروف مركَّبة يصعب التأقلم معها؛ لأنها تفوق في كثير من الأحيان قدراتهن وإمكاناتهن المادية والمعنوية.

بينما أشارت بيانات البنك الدولي إلى أنه بين عامي 2009 و2015، ارتفعت حصة الأسر التي تعولها نساء سوريات من 4.4٪ إلى 12-17٪، وأشارت إحصائيات منظمةcare international الصادرة في العام الفائت، إلى أن الأسر التي تعولها نساء بين عائلات اللاجئين في الأردن وصلت نسبتها إلى 40%، وفي لبنان وصلت نسبتهن إلى 17%.

وبحسب دراسة موقع indicator، فإن 32% من العائلات السورية في تركيا تقودها نساء.

وبيّنت الدراسة ذاتها أنّ مسؤولية رعاية الأطفال تعتبر العائق الأكبر لهؤلاء النساء، فيما شكّل حاجز اللغة ما نسبته 17% من العوائق، وشكّل عدم امتلاك المهارات نسبة 17% أيضاً.

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “JHR” صحفيون من أجل حقوق الإنسان” بتمويل من برنامج عالم كندا Global Affaris Canada.

شارك:

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

منشورات ذو صلة