تحول جندري عميق لدى السوريات في تركيا

منصة عين

13/12/2021

مصدر الصورة: Getty Images

كان للحراك الشعبي في سورية دور كبير بإحداث تغييرات جندرية عميقة تركت أثرها على شكل العائلات السورية وأسلوب معيشتها وحياتها اليومية ودور النساء فيها، فتغيرت أدوار النساء السوريات التقليدية بعد الثورة، وأجبر اللجوء والنزوح الكثيرات منهن على رفض الأنماط الإقصائية التي كانت تضعها في قوالب محددة قبل الحراك الشعبي، نتيجة العادات والتقاليد والمجتمع القبلي والذكوري، وفي أنماط تتقاطع مع الإقصاء القانوني والسياسي والعملي، والبعد العشائري والطبقي، والتي كانت تأتي على حساب النساء وكياناتهن ومصالحهن.

وأبرز الحراك الشعبي قدرات النساء السوريات اللواتي لجأن إلى تركيا من خلال ما قمن به من جهود جبارة، وأظهرن مستوى رفيع من التضحيات، فعملت النساء السوريات والناشطات على تطوير طرق ملائمة وفعالة للتعامل مع الواقع الجديد، فانتفضن وخرجن من عباءة التقاليد، وأخذن أدوارا جديدة، فكنّ قائدات وناشطات وممرضات وطبيبات وصحفيات وأسسن جمعيات ومنظمات.

منظمات المجتمع المدني وتمكين النساء

كانت تجربة النساء السوريات في تركيا على مستوى المجتمع المدني ونجاحهن في إدارة مؤسسات وهيئات إغاثية وإعلامية وثقافية وإنسانية، دليلًا على أن المرأة السورية، ورغم الاضطهاد المجتمعي والسياسي في بعض المجتمعات السورية، استطاعت أن تكون بنفس قدرة وقوة وثبات الرجل، فكسرت العديد من التابوهات الاجتماعية، وأسست جمعيات تقودها نساء تعمل لردم الفجوة بين الجنسين وتمكين المرأة.

وبفضلهن قام مجتمع مدني نشيط حاول خلق وعي لدى الناس حول أهمية وفاعلية دور المرأة في المجتمعات المحلية.

وبمرور الوقت اكتسبت العاملات والمشاركِات في هذه النشاطات خبرات عملية وثقافية لا يُستهان بها، وهو ما يبشر بدور فاعل حقيقي للمرأة السورية في مستقبل البلاد.

كما ركزت منظمات الأمم المتحدة على الاستثمار في النساء السوريات من خلال تطوير القدرات والمهارات في مجال القيادة والتمكين الاقتصادي والتدريب العملي والعمل لتحقيق مساواة جندرية، وقدمت الدعم للمبادرات والمنظمات التي تقودها النساء السوريات، في معالجة العنف والتمييز اليومي الذي يتعرضن له، ولضمان مشاركة المرأة في العمليات السياسية وحل النزاعات.

وهو ما يتماشى مع مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي نصت المادة 25 منه على أنه لكل شخص حق في مستوى معيشة يكفى لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصة على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية، وله الحق في ما يأمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه، وأنه للأمومة والطفولة حق في رعاية ومساعدة خاصتين، ولجميع الأطفال حق التمتع بذات الحماية الاجتماعية سواء ولدوا في إطار الزواج أو خارج هذا الإطار.

إنفو غرافيك يعرض بيانات نسب تمثيل المرأة السورية

المصادر:

دراسات وتقارير أممية / دراسة موقع indicator / شبكة الصحفيات السوريات

في سوق العمل

ظهر أيضا تحول في الأدوار الجندرية للنساء في سوق العمل، وإن كان دافعه في البدء حاجة اقتصادية، إلا أنه أنتج تطوراً إيجابيا في مكانة المرأة الاجتماعية والسياسية، وأثر على قدرتها في المشاركة في صنع القرارات التي تخصها أو تخص مجتمعاتها.

فانخرطت في أعمال لم تكن تقوم بها في السابق وأصبح من المعتاد على سبيل المثال أن ترى سيدة تدير مطعماً، كذلك لم يعد مستغرباً أن ترى امرأة تعمل في أعمال لم يكن السوريون معتادون أن يروها فيها.

وأسست العديد من النساء أشغالهن الخاصة ودعمت العديد من جمعيات تمكين المرأة النساء للانخراط في سوق العمل.

سارة داغستاني سورية مقيمة في مدينة إسطنبول وتدير مطعماً في وسط المدينة، أشارت في حديثها لمنصة عين إلى صعوبة عملها كفتاة، إلا أنها رأت أن العمل للفتاة مهما كان سيصب بصالحها في النهاية، على الرغم من العادات القديمة التي كانت تحرم الفتاة من العمل في بعض المناطق في سوريا، وتقول سارة، “أنا من مدينة دوما في ريف دمشق، لم يكن شيئاً عادياً أن تعمل الفتاة في مدينتنا، لا أقول أن في ذلك خطأ كبير، فبرأي الأهل أنهم يخافون علينا وليس بأي غرضِ آخر، ومع بداية عملي في المطعم كان أهلي رافضين للفكرة، ولكن مع استطاعتي تطوير عملي واستلامي إدارة المطعم، أصبحت معيلة لوالدي ووالدتي، وأصبح أبي يفتخر بي وبعملي، وتغيرت فعلاً نظرتهم لي كفتاة تعمل، وأصبح عادياً جداً أن ترى الفتيات السوريات يعملن في مهن عديدة هنا”.

أما أمل حوراني وهي لاجئة سورية مقيمة في مدينة مرسين جنوب تركيا، استلمت إدارة وتسويق معمل الحلويات الخاص بوالدها، وعملت على تسويقه خارج تركيا لتصدير المنتجات للخارج، واستطاعت أمل بجهودها الفردية تحقيق نجاح كبير لكمية الصادرات.

تقول أمل في حديثها لمنصة عين، “بعد خروجنا من سوريا، كنت في بداية نشأتي ولم أكن أعلم ما معنى الحياة المهنية، ولم يكن في بالي أن أعمل نهائيا، فعاداتنا تقول إن المرأة لمنزلها ولعائلتها ولزوجها، ولكن ظروف اللجوء أجبرتني على تغيير وضعي، أشعر الآن بقوة لم أشعر بها بحياتي، برغم لجوئي إلى تركيا وابتعادي عن بلدي ومدينتي حمص، إلا أنني أشعر أن ما حدث كان لصالحي كفتاة، إذ استطعت خلال عامين تحقيق أرباح كبيرة لمعمل والدي من خلال التسويق الذي قمت به، وأشعر حقاً بالفخر لما أقوم به”.

أحمد الحوراني والد الشابة أمل أشار في حديه لمنصة عين أنه كان داعماً منذ البداية لابنته أمل، وأنه شجعها على خوض تجربتها التي تكللت بالنجاح في النهاية، وأضاف، “لم نكن في سوريا نعي أهمية عمل المرأة أبدا، كنا نحاول حمايتها أو حتى إخفائها من حقل العمل، هذه عاداتنا ولم يكن لدينا أي هدف آخر، اليوم مع لجوئنا وحصارنا وخسارتنا للكثير، اكتشفنا أهمية عملها ومساندتها لزوجها ولعائلتها ولنفسها أيضاً، فالمرأة العاملة أقوى بكثير من المرأة التي تقضي وقتها في منزلها”.

وكانت دراسة صادرة عن وكالة “يونايتد برس إنترناشونال” الأميركية، أفادت أن نسبة انخراط النساء السوريات في العمل قبل عام 2011 من أقل المعدلات في العالم، حيث بلغت 13%.

ومع الضرورات التي طرأت على تغيير أدوار المرأة في المجتمع السوري وما فرضته عليها الحرب والتهجير القسري وغياب المعيل، اضطرت المرأة السورية للعمل في مجالات مختلفة، إذ أشارت الدراسة إلى أن أكثر من ربع النساء في تركيا يعملن أو لديهن رغبة في خوض غمار الأعمال.

وعلى الرغم من التغير المشهود لانخراط المرأة السورية في سوق العمل، إلا أن دراسة لجامعة كوش_ KOÇ-KAM التركية قالت أن المرأة السورية غائبة إلى حد كبير عن سوق العمل الرسمي في تركيا، إذ بلغ إجمالي تصاريح العمل الممنوحة للمواطنين السوريين عام 2018 وفقًا لوزارة الأسرة والعمل والضمان الاجتماعي  34573 تصاريح عمل، بينما تم منح 3047 تصاريح عمل للسوريات فقط ، وتشير تقديرات البحث إلى أن ما لا يقل عن نصف ما يزيد عن مليوني سوري في سن العمل في تركيا يعملون بشكل غير رسمي، كما أشار تقرير صادر عن مركز البحوث الاقتصادية والاجتماعية بجامعة بهشة شهير (BETAM) إلى أن 48.2٪ من الشباب السوري الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 29 عامًا عاطلون عن العمل.

كما أشارت إلى أنه ومن بين السكان العاملين، فقط 2.2٪ منهم لديهم تصاريح عمل، وفي الوقت نفسه، تكسب 3 من كل 4 سيدات سوريات أقل من الحد الأدنى للأجور، وفي المتوسط، تكسب النساء السوريات أقل من 20٪ من الرجال السوريين.

 وأوضحت الدراسة الصادرة عن جامعة كوش أنه “لم يكن لدى النساء السوريات في تركيا خبرة عملية وتدريب متخصص ورأس مال اجتماعي عند وصولهن، كما أكد اللاجئون أنفسهم، فإن المبدأ المعياري الذي يقضي بعدم وجوب عمل المرأة خارج المنزل يلعب دورًا مهمًا في تجارب النساء كلاجئات في البلد المضيف”.

ووفقًا لبحث أجرته جمعية التضامن مع طالبي اللجوء والمهاجرين (ASAM) وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، أشار البحث إلى أن معظم النساء من بين النازحين يعملن في القطاع غير الرسمي، وأن اللغة هي إحدى أهم العوائق التي تواجه سوق العمل بالنسبة للنساء، وإن التحسينات في اكتساب اللغة من خلال التدريب اللغوي أكثر صعوبة لأن المرأة مسؤولة تقليديًا عن رعاية الأطفال، وكذلك تحتاج إلى إذن زوجها للانضمام إلى دورات اللغة.

وعلى الرغم من أن الأزمة السورية تعتبر من أسوأ الأزمات الإنسانية التي شهدها القرن الواحد والعشرين، إلا أن هذا التغيير الكبير الذي فرضته الحرب، والتغير في الأدوار الجندرية، كان له العديد من الإيجابيات، إذ أدى إلى كسر الصورة النمطية للمرأة السورية، وإلى تطور وضعها في المجتمع والاعتراف بشرعية وجودها في سوق العمل وفي كافة المجالات.تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “JHR”صحفيون من أجل حقوق الإنسان”

شارك:

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

منشورات ذو صلة