الأطفال السوريون حديثو الولادة.. تقصير ووفاة ومعاناة

منصة عين

إعداد: فراس العلي

يفارق الحياة شهرياً عشرات الأطفال حديثي الولادة السوريين في ولاية غازي عنتاب جنوب تركيا، وتُظهر الأرقام ارتفاعا مقلقا بنسب الوفيات خلال العام الحالي إذ ارتفعت معدلات وفيات حديثي الولادة “أتراك وسوريين” مقارنة بالعامين الماضيين، فيما يدعو أطباء أتراك عبر وسائل إعلام تركية إلى التحقيق في حوادث الوفاة ومعرفة الأسباب التي أودت بحياة الأطفال الرضع وعدم اعتبارهم “مجرد أرقام”.

خلال البحث في الموضوع، تبين لدينا أن الزواج المبكر وعدم الحصول على الرعاية الصحية اللازمة والخوف من العقبات القانونية التي تؤثر على أوضاع بعض اللاجئين، بالإضافة إلى الاقتصار على مراجعة عيادات غير مرخص لها بالعمل بشكل قانوني، من بين أبرز المشاكل التي تواجه النساء السوريات الحوامل في تركيا.

ويمكن للاجئات السوريات الحوامل أن يراجعن المشافي التركية أو المراكز الصحية الخاصة بالمهاجرين لكن معظمهن يفضلن مراجعة الطبيبات السوريات للكشف عن حالات حملهن الصحية.

وتنشط في غازي عنتاب العشرات من الطبيبات والممرضات السوريات المتخصصات في مجال “الطبابة النسائية” أما الأسباب فهي لعدم وجود حواجز في التواصل والتنسيق مثل اللغة التركية.

عوائق وتحديات

تتردد نساء سوريات خلال فترات حملهن في تركيا من مراجعة المشافي التركية أو المراكز الصحية بسبب عدم معرفتهن بالإجراءات المتبعة خلال المعاينات بالإضافة إلى حواجز التواصل، حيث إن الكثير من النساء السوريات لا يتقن اللغة التركية.

ورغم انتشار المراكز الصحية للمهاجرين في الولايات التي ينتشر فيها اللاجئون السوريون وتوفير هذه المراكز أطباء متخصصين ومترجمين بالإضافة لمجانية هذه الخدمات، إلا أن العديد من النساء السوريات لم يسمعن بهذه الخدمات، حسب ما رصدناه من خلال التواصل مع سوريات يقمن في غازي عنتاب.

وتمنع المخاوف السابقة النساء الحوامل من متابعة صحة الأجنة خلال فترة الحمل مما قد يخلق مخاطر قد تؤثر على صحة الأجنة أو الأطفال حديثي الولادة.

سناء إحدى السوريات اللواتي تواصلنا معهن في غازي عنتاب، فقدت جنينها بسبب عدم معرفتها بأنها تحتاج أدوية لتثبيت الحمل في فترته الأولى، وتقول إنها “لم تكن تعرف أنها تحتاج لإبر تساعد على تثبيت الحمل لديها ما أدى إلى فقدانها جنينها”.

وتضيف، أنها كانت تتعامل مع “قابلة سورية” حيث تذهب إلى منزلها لتتم معاينتها مقابل أجر مالي، كما تؤكد أن الكثير من النساء اللواتي تعرفهن يراجعن طبيبات أو ممرضات في منازلهن.

أبرز الأسباب

تتعدد أسباب حصول وفيات بين الرضع السوريين لكن يبدو أن أبرزها عدم مراقبة فترات الحمل والوقوف على صحة الجنين والأم خلال هذه الفترة.

وتضيف رئيسة غرفة أطباء غازي عنتاب – كيليس، أتيس تارلا، أسباباً أخرى لوفيات الرضع، حيث تقول: إنه “من بين أسباب حصول وفيات بين الرضع الزواج المبكر أو تواتر فترات الحمل والولادة للأم أو عدم حصول الحوامل على الرعاية الصحية اللازمة قل وبعد الولادة بالإضافة إلى حصول عمليات ولادة غير معلن عنها في المنازل” وفق ما ترجمناه عن تقرير نشر في آذار الماضي، على موقع صوت أمريكا بنسخته التركية.

تعلق تارلا على مسألة وفيات الرضع السوريين وتقول: “يجب تسجيل الأطفال السوريين عند ولادتهم، كما يجب تسجيل وفيات الرضع وتحديد أسباب الوفاة وليس تسجيلهم كرقم، ولا يكفي مجرد إنشاء مشاف جديدة لخفض معدل وفيات الرضع”.

ويحصل ذلك في الوقت الذي لا توجد فيه أي لجنة، أو فريق، أو منظمة أو مؤسسة سورية أو دولية تتابع هذه القضية التي تنهي حياة عشرات الرضع السوريين كل شهر أو تسعى عبر أنشطة وحملات إلى تقليل هذه النسبة عبر الوصول للنساء السوريات الحوامل والاطلاع على أوضاعهن الصحية.

العمر مشكلة

رصدنا خلال إعداد المادة، أن هناك سوريات تزوجن حديثاً رغم أعمارهن المبكرة في غازي عنتاب لا يرغبن في مراجعة المشافي التركية خوفاً من حصول مشاكل قانونية قد تودي بأزواجهن أو أفراد من عائلاتهن في السجن.

ويأتي ما سبق نتيجة خضوع عشرات السوريين للمحاكمات خلال السنوات الماضية بسبب اكتشاف أعمار النساء الحوامل خلال مراجعتهن المشافي التركية.

ويوضح الموقع الرسمي للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين في تركيا، أن الزواج غير الرسمي من طفل “أي قاصر” يعتبر إساءة معاملة للأطفال حسب قانون العقوبات التركي، وتتم معاقبة مرتكبيها بما في ذلك مع أحكام بالسجن.

وتلتزم مؤسسات الدولة ومؤسسات الصحة والتعليم بالإضافة للمنظمات غير الحكومية بإبلاغ السلطات التركية عن طفل يواجه أي نوع من أنواع مخاطر الحماية.

وفيما يخص إجراءات الزواج في تركيا، فإن سن الزواج القانون هو 18 سنة، بينما الزواج من طفلة تحت السن القانوني للزواج، يعتبر بمثابة اعتداء جنسي على طفل تحت سن الـ 18.

يقول محمد علي وهو معقب معاملات سوري يعيش في تركيا: إن “هذه المشكلة من أكثر القضايا التي ترده، حيث عادة ما يتم اكتشاف أمر الزواج من سورية تحت السن القانوني خلال مراجعتها لإحدى المشافي الحكومية أو المراكز الصحية”.

يتابع، أن القضية لها تبعات وقد يتجاوز حكم السجن على زوج القاصر أكثر من 15 سنة فيما يسعى سوريون إلى إثبات أن الزواج حصل في سوريا اعتماداً على اختلاف القوانين بين البلدين.

ويبدو أن المشكلة السابقة الذكر تؤثر على الحوامل السوريات اللواتي تزوجن في سن مبكر، حيث تمنعهن من مراقبة الحمل في المشافي أو المراكز الصحية خوفاً من التعرض لعقوبات قانونية.

إجراءات الحظر لها تأثير أيضاً

لم تقتصر العقبات التي واجهت النساء السوريات الحوامل على متابعة حملهن والاهتمام بصحة الجنين على ما سبق ذكره، بل تجاوزها خصوصاً بعد القيود التي فرضتها السلطات التركية إثر تفشي فيروس كورونا في أنحاء البلاد.

تقول مريم وهي إحدى الطبيبات السوريات في غازي عنتاب: “في العام الحالي، وبسبب إجراءات الحظر لم يتم إتاحة مراقبة الحمل للحوامل السوريات بالشكل المطلوب كما وجدن صعوبة في مراقبة حديثي الولادة بعد حصول الحمل، ربما كان ذلك سبباً في ازدياد أعداد الوفيات بين الرضع حديثي الولادة”.

تضيف الطبيبة، أن النساء السوريات الحوامل وجدن صعوبة في التواصل مع الأطباء والقابلات الأتراك بسبب عائق اللغة، كما أنهن كن معتادات قبل الحرب على زيارة العيادات الطبية الخاصة لتلقي الخدمات الطبية بسبب سهولة الوصول وعدم الانتظار لأوقات طويلة.

وأصبح دوام الأطباء في العيادات الخاصة بعد تطبيق إجراءات الحظر محدود وهذا ما أدى إلى تحديد زيارات المراجعات الحوامل أيضاً، فيما تقترح الطبيبة، أن إحدى الحلول هي زيارة المشافي التركية لتلقي الرعاية الطبية للحامل خلال فترة الحمل وفترة حصول الحمل وبعد الولادة.

بالأرقام

395 طفلاً سورياً عدد مواليد السوريين اليومي في تركيا، حسب مدير مركز أبحاث الهجرة والاندماج في الجامعة التركية الألمانية في إسطنبول.

في ولاية أورفاً أورفا فقط، عدد مواليد السوريين اليومي بين 50 إلى 55 مولود جديد، حسب أرقام تعود لعام 2018.

الأرقام السابقة، تفيد أن عدد مواليد السوريين شهرياً في تركيا 11،850 مولود جديد، أما سنوياً فيصل لقرابة 142 ألف طفل سوري جديد.

لا تتوفر أرقام دقيقة حول مواليد السوريين في تركيا اليومية لعام 2021 وما سبق هي الإحصائية الوحيدة التي تمكنا من الوصول إليها.

وفيما يخص عدد الأطفال السوريين الذين أعمارهم من 0 إلى أربع سنوات في تركيا فقد وصل إلى 502،265 طفلاً سورياً، حسب جمعية اللاجئين.

وبحسب قوائم الدفن في بلدية غازي عنتاب، فقد توفي 130 طفلاً سورياً أعمارهم بين 0 إلى سنة في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2021.

يأتي ذلك مع ارتفاع نسبة وفيات الرضع من 8،3 في عام 2019 إلى 16،2% في عام 2020 من كل ألف مولود جديد أكثر من نصفهم أطفال رضع سوريين في غازي عنتاب فقط.

وتنص المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه “لكل شخص حق في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصة على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية، وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة، أو المرض أو العجز أو الترمل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه”.

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “JHR صحفيون من أجل حقوق الإنسان” بتمويل من برنامج عالم كندا Global Affairs Canada.