الرعاية الصحية الأولية ليست من أولويات اللاجئين السوريين

منصة عين

نازك تلحوق

29 \ 06 \ 2021

 يهمل العديد من اللاجئات واللاجئين السوريين في تركيا إجراءات العناية الصحية الأولية، ويظهر السلوك العام أن هناك ميلاً لتخطي الرعاية الأولية والطلب على الرعاية الثانوية والثالثية، ويتم التركيز على الحضور للمستشفيات وأقسام الطوارئ في حالات الأوضاع الصحية الطارئة والمؤلمة، ويتجاهل الكثير من اللاجئين المتابعة الطبية بعد العمليات أو الولادات وهذه ظاهرة تؤدي لتزايد المشكلات الصحية وتطورها، ويمكن أن تؤدي إلى الوفاة عدا عن التكلفة المادية المضاعفة والمعاناة الصحية. 

وتشكل عوامل الوصول للخدمات وضعف المعرفة عوائق عديدة، بينما تشير الأبحاث إلى أن الاتجاه العام لدى اللاجئين هو إهمال المتابعة على أساس أنها ليست ذات أولوية بالنسبة إليهم.

كدت أفقد حياتي

تفاقم الوضع الصحي لـ “سمر” اللاجئة السورية من عفرين والمقيمة في مدينة غازي عينتاب وكادت أن تخسر مولودها أثناء الولادة المتعسرة.

تذكر سمر في حديثها لمنصة عين تفاصيل ذاك اليوم، وتقول، “لم أزر الطبيبة قط لأطمئن على حملي ولم أشعر يوما أنه أمر مهم فهكذا نشأنا وهكذا نشأت أمهاتنا وجداتنا، وكل شيء سار على ما يرام، وحين داهمني المخاض استدعينا القابلة للمنزل، تعسرت الولادة كثيرا وشعرت أنني سأفقد حياتي وحياة جنيني، قصدنا أقرب مشفى ودخلت إلى غرفة العمليات وتم نقل الكثير من الدم لي في عملية قيصرية أُنقذت حياتي وحياة طفلتي”.

تضيف سمر، “لامتني الطبيبة كثيرا وأنّبت زوجي على إهمال متابعة الحمل فالمتابعة الدورية أساسية لصحة الجنين والأم، وعدم القيام بها يزيد من مخاطر وفيات الأمهات وحديثي الولادة”.

وبينت دراسة بحثية تركية نشرتها كلية طب جامعة باسكنت وجامعة أنقرة بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية حول زيارات الرعاية السابقة للولادة بين النساء السوريات، بينت أنه لم تحصل 41٪ من اللاجئات على زيارات رعاية ما قبل الولادة طوال فترة الحمل، بينما خضعت 20% من النساء فقط لزيارات منتظمة لأمراض النساء، و 10٪ منهن خضعن لفحص عنق الرحم، وأجرى 4٪ منهن فحصًا ذاتيًا للثدي، وكانت معدلات الولادة القيصرية بين 9 ٪ – 39 % ، كما وتعرضت 23٪ من النساء السوريات للإجهاض، وما نسبته 11 ٪ منهن تعرضن للإجهاض الطوعي.

الطوارئ أكثر الأقسام زيارة

في دراسة بحثية لكلية الطب جامعة أنقرة وكلية طب جامعة كوس اسطنبول بالتعاون مع وزارة الصحة التركية، أشارت إلى أن السلوك العام عند اللاجئين السوريين يُظهر أن هناك ميلًا لتخطي خدمات الرعاية الأولية والطلب على الرعاية الصحية الثانوية والثالثية، وشددت الدراسة على أهمية تقوية العناية الصحية الأولية عبر رفدها بالمترجمين وتدريب طواقم طبية سورية لإزالة العقبات التي تواجه اللاجئين لتخفيف الضغط عن المستشفيات.

كما تشير دراسة بحثية إلى أن أكثر الأقسام زيارة كانت قسم الطوارئ، مشددة على أهمية تسهيل الوصول للرعاية الصحية الأولية، لما لها من دور مهم في تخفيف العبء عن خدمات الصحة الثالثية، وعن أقسام الطوارئ في المستشفيات، وبالتالي تخفيف كلفة العلاج الطبي.

علاج بالمسكنات

محمود لاجئ سوري مقيم في مدينة غازي عينتاب، يقول إنه عانى أسبوعاً كاملاً من الألم وكان يقصد الصيدلية لشراء المسكنات، ويأخذ بعض الوصفات المنزلية التي ينصحه بها الأصدقاء، وحين اشتد عليه الألم ذهب لقسم الطوارئ واضطر لإجراء عملية طارئة، إذ أنه كان يعاني من المرارة، وفاقم إهماله وعدم ذهابه لمركز الرعاية الأولية للكشف المبكر حالته، وأجبره على إجراء عملية جراحية أوقفته عن العمل عشرة أيام.

يضيف محمود أنه توقف عن تناول الأدوية التي وصفها له الطبيب حين زال الألم ولم يعد للكشف على جروحه بعد العملية، بسبب التكاليف التي اعتبرها عائقاً بالنسبة له.

وبحسب المركز الأمريكي لمكافحة الأمراض وطرق العدوى CDC حول السلوك العام للاجئين السوريين المتعلق بالرعاية الصحية الأولية، تبين أن لديهم ضعف الوعي بالأمراض المزمنة واحتمال حدوثها، إضافة إلى أنهم قد يتوقفون عن تناول الأدوية في حال ذهاب الأعراض، كما يقل احتمال عودتهم لمواعيد المتابعة إذا لم يعودوا يعانون من الأعراض المرافقة.

عوائق رغم الدعم

تدعم وزارة الصحة التركية حصول اللاجئين السوريين على العناية الطبية في المستشفيات العامة، ولكن البيروقراطية وصعوبة الحصول على الخدمات الصحية والاختلافات الثقافية والحواجز اللغوية وعدم استجابة بعض مقدمي الخدمة، وعدم مبالاتهم باحتياجات الرعاية الصحية للاجئين، يزيد عبء العمل على مراكز الرعاية الثانوية.

وفي هذا الإطار شددت منظمة الصحة العالمية في دراسة بحثية أقيمت في العام 2020، على أهمية تكامل وقبول اللاجئين السوريين داخل المجتمع المضيف، ليس فقط لمنع التمييز ولكن أيضا لتقوية علاقة العاملين الصحيين باللاجئين ومساعدتهم على الاستفادة بشكل أكبر من خدمات الصحة الأولية، لتحسين وضعهم الصحي العام.

ودعت الدراسة إلى التنظيم الفعال لخدمات الرعاية الصحية الأولية، واستخدام نظام الإحالة بين خدمات الرعاية الصحية الأولية والثانوية والثالثية، ولفتت إلى أن أوجه القصور في النظام الصحي تنعكس في قلة الاستفادة من خدمات الرعاية الصحية الأولية من قبل اللاجئين في تركيا، الذين يفضلون طلب العلاج في مراكز الصحة الثانوية والثالثية، وهي أمور مألوفة لمعظم اللاجئين الذين نشؤوا في بلاد لا تقوم بالتخطيط لخدمات الرعاية الصحية الأولية أو لا تستخدمها بشكل فعال.

المتابعة الصحية أمر ثانوي للاجئات

الطبيبة مريم المتخصصة في أمراض النساء والتوليد والمقيمة في غازي عينتاب، لفتت خلال حديثها مع منصة عين إلى وجود مستوصفات متخصصة بالسوريين في تركيا، لكن الخدمة التي تقدم ليست كاملة إذ تشمل إعطاء الأدوية البسيطة كالمقويات وبعض التحاليل، ولا يوجد فيها أجهزة تصوير بالموجات الصوتية ECO، بحسب الطبيبة.

وأكدت الطبيبة على أنه وبرغم الازدحام الكبير على هذه المراكز، إلا أنها تعتبر قليلة نسبة إلى أعداد الحوامل، فيتوجه قسم إلى المستشفيات الخاصة وقسم آخر لا يذهبن للمعاينة والفحص لأسباب عديدة، منها ما يتعلق بالازدحام وجائحة كورونا حيث لا تتمكن المريضة من أخد دور لها بسهولة.

وأضافت الطبيبة مريم، “ظروف اللجوء صعبة جدا مما يجعل متابعة الحمل لدى اللاجئات أمر ثانوي بسبب الوضع النفسي، رغم تأكيدنا على ضرورة إجراء زيارتين على الأقل خلال الأشهر الأخيرة للحمل للاطمئنان على صحة الحامل النفسية التي قد تعاني من اكتئاب ما قبل الولادة وبعدها”.

ومن الأسباب التي تمنع اللاجئات من المتابعة تقول الدكتورة مريم، “هناك حالات كثيرة للحمل في سن مبكر وهذا أمر ممنوع بحسب القانون التركي، فلا تتابع حالتها خلال الحمل خوفا من المساءلة، وتتم الولادة في مشفى خاص ولا تعود للمتابعة بعد الحمل إطلاقا رغم تحذيرنا على أن هذا النوع من الحمل هو حمل عالي الخطورة”.

وأضافت الطبيبة، “كذلك هنالك حالات عدم متابعة بسبب عدم حصول المريض على بطاقة الحماية المؤقتة التابعة للولاية التي يقيمون بها وهم كثر، حيث تُهمل المتابعة الصحية، وفي حال حصول عملية تكون بمشفى خاص ولا يعود أحد للمتابعة بسبب التكلفة، منوهة إلى أن التكلفة ليست السبب الرئيسي بل هي أحد الأسباب والسبب الرئيسي هو ثقافة المجتمع.

ولفتت الطبيبة مريم، “نسبة ثقافة المتابعة بعد الولادة قليلة جدا ولا يوجد ثقافة مجتمعية تهتم للزيارة بعد الولادة لفحص وتقييم حالة الجنين، وهذا أمر هام يجب العمل على تغييره، ففي حالات الولادة القيصرية، عدم متابعة وزيارة الطبيب للكشف على الجرح والنزف وتشخيص المشكلة في حالتها الأولية تمنع تطورها وتعالجها بوقت أسرع، كما نلاحظ وجود زيارات روتينية للنساء التركيات أثناء الحمل وبعد الولادة، أما السوريات فلا توجد هذه الزيارات”.

لا حملات للتوعية

يؤكد مدير التواصل في منظمة أوسوم تركيا محمد عجوم أن المنظمات العاملة في تركيا لا تقدم خدمات صحية حقيقية، بل يقتصر هذا الأمر على الخدمات التي تقدمها الحكومة التركية في مشافي الدولة أو في مشافي اللاجئين الطبية، ويقتصر عمل هذه المنظمات في الداخل السوري فقط ولها مكاتب إدارية في تركيا كمنظمة أوسوم مثلا، وأضاف عجوم، “لا يوجد حملات توعية حول العناية الصحية للاجئين في تركيا من قبل الجمعيات، ولا تقوم المنظمات بهذا الدور فكل ما يتعلق بالصحة يتم عن طريق الحكومة التركية فقط”.

بدورها تؤكد الدكتورة مريم على عدم وجود منظمات تقدم توعية صحية في تركيا أو موظفين مدربين لنشر التوعية المجتمعة حيث تكون التوعية بشكل فردي كأن يقوم مقدم الخدمة أو الطبيب أو الممرض الذي يكشف على المرأة بتقديم النصائح لها حول العناية بالطفل والصحة والمتابعة، أما في سوريا تضيف الدكتورة مريم، “هناك خطة كبيرة للتوعية الصحية في شمال سورية وزيارات منزلية بعد الولادة “.

واقترحت الطبيبة أن يقوم مقدموا الخدمات في المراكز الطبية السورية العاملة في تركيا بتدريب كوادر متخصصة كعمال صحة مجتمعيين لنقل رسائل التوعية ونشرها داخل مجتمعات اللاجئين، وتوزيع منشورات باللغة العربية والتوجه للاجئين بلغتهم في حملات ومنشورات وبوسترات على الطريق باللغة العربية في أكثر أماكن وجود اللاجئين.

أمية صحية

تؤكد منار (36 سنة) اللاجئة السورية المقيمة في مدينة أورفا أنها ترددت كثيرا قبل إجراء أي فحوصات طبية واستشارت زوجها وكبيرات العائلة قبل أخذ أدوية الضغط التي وصفها لها الأطباء، وتقول، “أعتمد كثيرا في قراراتي على زوجي والأكبر سنا في عائلتي قبل اتخاذ أي قرار يتعلق بصحتي وطرق علاجي”.

وكشفت دراسة بحثية لمنظمة الصحة العالمية  أجريت العام الماضي بالتعاون مع كلية طب جامعة غازي في أنقرة أن 84% من اللاجئين السوريين  لديهم معدل مرتفع من الأمية الصحية ومعظمهم لا يفهم التعليمات والتوجيهات الصحية المتعلقة باستمارات الموافقة، وملصقات الأدوية، ومعلومات الرعاية الصحية، والمعلومات المكتوبة والشفوية التي يقدمها الأطباء أو الممرضات أو الصيادلة و غيرهم من متخصصين في الرعاية الصحية، ولا يعرفون التصرف وفقًا للتوجيهات، وأن 49.5% لديهم جهل في طرق الوصول إلى المعلومات الصحية وفهمها، من أجل إصدار الأحكام واتخاذ القرارات في الحياة اليومية المتعلقة بالرعاية الصحية والوقاية من الأمراض وتعزيز الصحة.

ولفتت الدراسة إلى أنه قد تكون اللغة هي السبب الرئيسي لذلك، لذا يجب التوجه لهذه الفئة عبر توفير المعلومات الصحية باللغة العربية واستخدام الرسوم البيانية للاجئين الأقل معرفة بالقراءة والكتابة، كما يمكن أن يستفيد اللاجئون من التعليم والتدريب على البرامج الصحية التوعوية التي تقدم معلومات تعزز الصحة والوقاية، بحسب منظمة الصحة العالمية.

هذا ووجدت الدراسة أنه بالنسبة للاجئين السوريين، فإن الشبكة الاجتماعية العائلية هي امتداد مهم للوصول إلى المعلومات الصحية ولاتخاذ القرارات الصحية الصحيحة، ويتخذ معظم الرجال البالغين القرارات المتعلقة بالصحة بمفردهم وأحياناً بمشاركة أشخاص آخرين، في حين أن معظم النساء تتشاورن مع أزواجهن وأمهاتهن ويتأثرن بشدة بأزواجهن أو بآراء كبار العائلة، وهذا ما يؤدي إلى تغيير قراراتهن الصحية والعلاجية، وكان معظم المراهقين يعتمدون على والديهم، بحسب الدراسة.

بالأرقام

23.1٪ من المشاركين بإحصاء منظمة الصحة العالمية وصفوا صحتهم بالسيئة، و34.1٪ لم يزوروا طبيبًا أو طبيب أسنان في آخر 12 شهراً، 44.1٪ من المشاركين قالوا إنهم سيذهبون إلى غرفة الطوارئ للعلاج، وقال 22.1٪ أنهم يستدعون سيارة إسعاف في حالة الطوارئ، 47.5٪ فقط يعرفون رقم الخط الساخن للطوارئ 112، 33.1% لا يفهمون ما يقوله الطبيب ويعتمدون على المترجمين، 66% لا يعرفون أماكن طلب المعلومات حول الخدمات الصحية في تركيا.

أما عن طريقة الحصول على المعلومات الصحية، فكان لوسائل التواصل الاجتماعي 45.6٪، وعن طريق المكالمات الهاتفية والرسائل القصيرة 26.3٪.

إهمال يصعب العلاج ويرفع معدل الوفيات

يشير طبيب الصحة العامة معتز اليوسف في حديثه إلى أن الرعاية الصحية الأولية هي خط الدفاع الأول للقطاع الصحي بأكمله، ومن الضرورة أن يقصدها المريض في البداية قبل التوجه إلى المراكز المتخصصة والطوارئ، ويؤكد الطبيب على أن هنالك الكثير من اللاجئين السوريين الذين يهملون الرعاية الصحية الأولية، ولا تقوم نسبة كبيرة من النساء بالمراجعة أثناء الحمل وبعد الولادة وكذلك قلة منهن تقمن بالفحوصات الدورية.

وشدد الطبيب على ضرورة متابعة النساء خلال فترة الحمل وبعده، “إذ أنه من الممكن أن تؤدي عدم المتابعة للإجهاض أو معاناة الطفل المولود من أمراض وتشوهات كان بالإمكان منعها بالفحص الدوري”.

ويضيف الطبيب، “إن الإهمال لا يقتصر على حالات الحمل وأمراض النساء، بل يعمد الكثيرون إلى عدم إجراء فحص دوري للأمراض المزمنة ومتابعتها، وهذا ما يزيد المخاطر الصحية ويصعّب العلاج كما ويزيد معدل الوفيات بين اللاجئين واللاجئات”.

الصحة وحقوق الإنسان

تنص المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه، “لكلِّ شخص حقٌّ في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصَّةً على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية، وله الحقُّ في ما يأمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمُّل أو الشيخوخة أوغير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه، وللأمومة والطفولة حقٌّ في رعاية ومساعدة خاصَّتين، ولجميع الأطفال حقُّ التمتُّع بذات الحماية الاجتماعية سواء وُلِدوا في إطار الزواج أو خارج هذا الإطار”.

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من JHR صحفيون من أجل حقوق الإنسان، بتمويل من برنامج عالم كندا Global Affairs Canada