كبار السن اللاجئين.. أكثر الفئات تهميشاً

منصة عين

إعداد: نازك تلحوق

منذ سبع سنوات لجأت شادية المسنة السورية إلى تركيا برفقة زوجها وابنتها، واستقرت في غازي عنتاب بعد رحلة شاقة من شمال سوريا، لاحقاً قام زوج الإبنة المقيم في ألمانيا بلم شملها وبقيت شادية وحيدة مع زوجها بينما، أبناؤها الشبان الثلاثة تفرقوا بين لبنان والسويد.

تقول شادية، “أحاول دائما أن أكون إيجابية برغم حياة التشرد واللجوء والوحدة وفقدان المنزل والممتلكات، إلا أنه من نعم الرب أني لم أفقد أحداً من عائلتي، فالجميع أحياء لكن فرقتنا المسافات، وضع زوجي الصحي والنفسي سيء جداً وحين يهاجمني الحزن والشوق للأرض والأبناء أتذكر أنه الرفيق والسلوى وعليّ أن أكون دعماً له وأمده بالقوة.

ترافق شادية زوجها دائماً في رحلة العلاج من داء باركنسون، إضافة لمعاناته من ضعف عضلة القلب، وتتنقل به من مرفق صحي إلى آخر، أحياناً لا يقوى على السير ويحتاج لكرسي نقال أثناء التجول في المراكز الصحية وبين العيادات.

في البداية تقول شادية، “عانيت صعوبات كبيرة، فالجمعيات لا تولّي أهمية لكبار السن، كما أن الخدمات المخصصة لهم قليلة في متابعة الأمراض المتعلقة بالسن، وكانت اللغة عائقاً كبيراً أمامنا، أما في مراكز الرعاية المخصصة للسوريين فلا يوجد جميع التخصصات”.

تضيف شادية، “بعد تجارب وإخفاقات كثيرة، أصبح لدي المعرفة اللازمة ومتابعة الوضع الصحي لزوجي أصبحت أسهل”.

 وعن التكلفة ومساعدة الجمعيات تقول شادية، أنها تعيش مما يرسله لها أبناؤها، وهذا أمر  خفّف عليها الكثير من العقبات في علاج زوجها وتأمين المواصلات.

يبلغ عدد اللاجئين السوريين في تركيا بحسب إحصائيات الحكومة التركية 3.6 مليون شخص، بينهم 3.1 % من كبار السن، منهم  1.6% من الإناث  و1.5 % من الذكور، والكثير منهم يعيش القهر جراء فقدان شخص عزيز لهم، وبعضهم ما زال يعيش حرقة إبن أو قريب مفقود، معاناتهم من الحرب ما زالت لصيقة بحياتهم اليومية، فهذه الحرب تسببت بتخلخل البنى العائلية وفقدان الروابط الاجتماعية، وضياع ما بني خلال سنوات العمر، كما وأفقدتهم شبكة الأمان الأسري ودفعتهم لطلب الأمان في بيئة غريبة، وأظهرت دراسة أجريت العام الماضي انتشار الاكتئاب بين اللاجئين السوريين في تركيا بنسبة 37%، وتوكد الدراسات أن كبار السن من اللاجئين يصابون بالاكتئاب أكثر من الأصغر سناً بثلاثة أضعاف، ولا يقتصر الأمر على الألم النفسي، بل يعاني كبار السن من اللاجئين العديد من المشكلات الصحية، بعضها مستجد وبعضها الآخر أمراض متعلقة بالعمر وتحتاج إلى متابعة طبية دائمة.

تجاهل المنظمات

يعترف المجتمع الدولي بوجود تحديات تخص فئة كبار السن خلال أوقات الأزمات، فهذه الفئة العمرية من أكثر الفئات المُهْمَلَة ضمن الاستجابة الإنسانية والإنمائية، خاصة عند الحديث عن الصحة، ووفقاً لمنظمة مساعدة المُسنِّين الدولية HelpAge ، هناك ما تُقَدَّر نسبته بـ 77% من اللاجئين السوريين، ممن تزيد أعمارهم عن 60 عاماً، لديهم مشكلات خاصة ترتبط بالحركة، والتغذية، والرعاية الصحية، وأكثر من نصفهم يتحدثون عن معاناتهم من أشكال الضغوطات النفسية.

وفي الإطار عينه تقول دراسة بحثية لجامعة بيل في الولايات المتحدة عن اللاجئين السوريين في تركيا، غالبًا ما يتم تجاهل اللاجئين الأكبر سنًا من قبل المنظمات العاملة رغم أن هذه التركيبة السكانية الذين يفوق عمرهم 60 عاماً، هم الأكثر عرضة للإصابة بأمراض مزمنة  مقارنة بالفئات العمرية الأخرى، وقد ذكر نصف الذين يحتاجون للرعاية من الأمراض المزمنة، عن وجود عوائق أمام تلقي هذه الرعاية في تركيا، بحسب الدراسة.

.https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC6696441/#B48-ijerph-16-02660

نعيش وحدنا

شفيقة ويوسف زوجان سوريان مسنان يقطنان مدينة غازي عينتاب بمفردهما، ويعانيان الوحدة والإهمال والفقر، تعاني شفيقة من الضغط المرتفع وتحتاج للأدوية بشكل مستدام، فيما يعاني زوجها من مرض السكري وصعوبة في المشي والإرهاق النفسي، تقول شفيقة، “هو حزين دائما ومثلي يفتقد البيت والأبناء والأحفاد، نحن نعيش وحدنا ورفيقنا القلق، وأولادنا وأحفادنا يعيشون في عدة بلدان، ولا يستطيعون القدوم إلينا في أي وقت، ومثلنا الكثير الكثير”.

وعن العلاج تقول شفيقة أنهما لا يأخذان أدويتهما بشكل منتظم، ولا يقومان بالفحص الدوري للمرض، “ينتهي الدواء وننتظر من أحد الجيران أن يحضره لنا”، ولا يقومان بمتابعة وضعهما الصحي كونهما لا يعلمان بمكان قريب يؤمن لهما الكشف الدوري المجاني، وتشكل اللغة وصعوبة التنقل أزمة إضافية تضاف إلى أزمتهما.

تعود بعض أسباب إهمال الحاجات الصحية لكبار السن في أنَّ التركيز الأكبر ينصبُّ على النساء والأطفال ثم الفئات الشابة ووضعهم الصحي من ناحية جمع البيانات، ومن ناحية الاستجابة الطبية ككل، ويبدو أنَّ غياب البيانات والأبحاث حول الحاجات الصحية المخصصة لكبار السن من اللاجئين تُسَاهمُ بالفعل في إنشاء حلقة مُفْرَغَة من الإهمال التي يقع فيها كبار السن من اللاجئين، ويُهْمَلون بسببها.

ونظرا لضعف وجود البيانات حول هذه الفئة العمرية؛ يُفضِّل المانحون الدوليون التركيز على الفئات السنّية من ذوي الحاجات الصحية المُوثَّقة توثيقاً جيِّداً، والاستثمار في المنظمات التي تحظى بإجراءات راسخة، وآليات عملية لتقييم هذه الحاجات والاستجابة لها.

حتى أن الكثير من الاهتمام تم توجيهه للمرأة السورية، إلا أن شريحة معينة من النساء السوريات لم تنل بعد الاهتمام اللازم، هي شريحة الكبيرات في السن.

غياب دور الرعاية

تغيب النقاط الطبية للرعاية الصحية الأساسية عن مخيمات الشمال السوري، ولا توجد دور رعاية للمسنين كافية لأعدادهم، حيث تفتقد المنطقة الواقعة بين ريف حلب وإدلب لمراكز الحجر الصحي ودور رعاية المسنين المخصصة لهم في حال أصيبوا بالفيروس.

علي سليم الخلف، ناشط في مخيمات أطمة شمالي إدلب، وهي من أكبر مخيمات الشمال السوري، يؤكد “وجود احتياجات كبيرة للمسنين وسط غياب الرعاية الصحية، مثل النظارات الطبية، فأغلبهم يحتاجونها ويحتاجون لفحص النظر بشكل دوري، بالإضافة للأدوات الطبية اللازمة لتقوية السمع وقياس السمع”

“كما يحتاجون لمقاعد متحركة ودورات مياه مخصصة لهم، بالإضافة للرعاية الطبية الكاملة” يضيف الخلف لـ”ارفع صوتك”.

ويقول “من أكثر المشاكل التي يتعرض لها المسنون هي بُعد المراكز الطبية عنهم وعدم وجود آليات لنقلهم ولا توجد سيارات إسعاف إلا للحالات الحرجة جدا، على الرغم من حاجة المسنين إلى الفحوصات الدورية” ولهذا السبب “يعاني المسنون من عملية انتقالهم الدائمة من خيامهم إلى المراكز الطبية، حتى بعد انتشار فيروس كورونا لم تتم أي إجراءات لحماية المسنين، وهم الفئة الأكثر عرضة للإصابة”.

وناشد الخلف، المنظمات الإنسانية والمؤسسات الطبية لتخصيص حمامات خاصة بالمسنين ووضعها بالقرب من خيامهم، وتوزيع الكمامات وبدء توزيع اللباس الشتوي الذي يحتاجه المسنون أكثر من غيرهم.

وكان عدد من المنظمات العاملة في المخيمات عملت على مبادرات خاصة بالمسنين للتأكيد على التزامهم بإجراءات الوقاية اللازمة من فيروس كورونا، وقدمت بعض هذه المنظمات الكمامات الطبية بالإضافة للمعقمات وخدمات الدعم النفسي والاجتماعي.

إحصائيات حديثة

وصلت نسبة العائلات التي يتحمل كبار السن إعالتها في المنطقة إلى 38%، وفق تقييم صدر لمبادرة REACH نهاية سبتمبر الماضي لاحتياجات النازحين الجدد في شمال غربي سوريا.

كما تم توثيق وجود 55% من كبار السن ممن يعيشون وحدهم لا يستطيعون تأمين احتياجاتهم بأنفسهم.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية في سوريا لعام 2019، فإن 800 ألف شخص من المسنين بحاجة للمساعدات الطبية، و200 ألف مسن بحاجة إلى الملجأ، و700 ألف منهم بحاجة إلى خدمات الرعاية الصحية.

وبحسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، يمثل اللاجئون المسنون اليوم حوالي 8.5% من مجموع الأشخاص الذين تُعنى بهم المفوضية، وبحلول عام 2050، سيصبح عدد الأشخاص الذين تفوق أعمارهم 60 عاماً في العالم أكبر من عدد الأفراد الذين تقلّ أعمارهم عن 12 عاماً.

رأي حقوقي

ساهمت بعض المؤسسات الإنسانية والإنمائية في إهمال احتياجات اللاجئين كبار السن، فغالباً ما تضع المنظمات أولوياتها على الفئات التي ينظر إليها على أنَّها الأكثر استضعافاً، كفئات النساء والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة، وينتج عن ذلك غياب الاهتمام بكبار السن بحيث لا تجد هذه الفئة إلا القليل من مُنَاصِري قضاياها، وفي هذا إهمال لحقوق هذه الفئة، فقد نصت المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه، “لكلِّ شخص حقٌّ في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصَّةً على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية، وله الحقُّ في ما يأمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمُّل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه”.

وبحسب البنك الدولي قبل الحرب، كان حوالي 6 في المائة من عدد سكان سوريا فوق سن الستين، أو نحو 1.5 مليون من مجموع سكانها البالغ عددهم 22 مليون نسمة، ومع ذلك، فإن نسبة من يبلغون من العمر أكثر من 60 عاما بين اللاجئين  تتراوح بين 2.5% في لبنان إلى 3.2% في تركيا و 3.5% في الأردن، وحصلت كل المجموعات السكانية من اللاجئين السوريين على اهتمام كبير من النساء والأطفال والشباب، وكانت المجموعة السكانية الوحيدة التي لم تلق اهتماما كافيا نسبيا هي اللاجئين من كبار السن، داعياً إلى توفير المزيد من الموارد لللاجئين المسنين، لأنهم يوفرون أصولا تعود بالنفع على المجتمع كله والتركيز بشكل أكثر مباشرة على هذه المجموعة السكانية التي يمكن أن تقوّي بدرجة هائلة مرونة هذه المجتمعات المحطمة وقدرتها على الصمود.
 https://blogs.worldbank.org/ar/arabvoices/older-refugee-and-community-resilience

رعاية مستدامة

يقول أخصائي طب العائلة الدكتور أحمد الحلاق، “غالبا ما يحتاج كبار السن إلى عناية صحية أكثر دقة ممن هم بعمر الشباب، فالكبار يعانون عادة من مشاكل صحية أكثر تعقيدا سببها تقدم السن وضعف أجهزتهم البيولوجية، وإن عدم المتابعة لحالتهم الصحية بشكل دوري تفاقم وضعهم الصحي بشكل خطير، بحيث يصبح المرض أكثر  حِدَّة وأكثر كُلْفَةً من ناحية العلاج”، وشدّد الطبيب أن الأمراض غير السارية هي واحدة من أكثر الأسباب شيوعاً للوفيات بين فئات كبار السن. 

وبحسب دراسة كلية طب جامعة ييل الامريكية غالباً ما يُمَثِّل اللاجئون من كبار السن فئة مُهْمَلَة من السُّكان خاصة عندما يتعلق الأمر بالنواحي الصحي، لأن الحالات المزمنة، مثل مرض السكري وأمراض القلب والأوعية الدموية، تتطلب تنسيقًا وعلاجًا مستدامًا للرعاية، فقد يعاني اللاجئون كبار السن من اضطرابات في العلاج عند الانتقال إلى نظام صحي جديد غير المعتادين عليه، وقد تؤدي الثغرات في العلاج والرعاية المتأخرة إلى ظروف صحية سيئة ومضاعفات والعديد من الأمراض المصاحبة، وأضافت الدراسة، “يعتبر ارتفاع ضغط الدم، وأمراض الجهاز العضلي الهيكلي، والسكري، وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة من أكثر الأمراض المزمنة انتشارًا، والتي تساهم في المرض والوفيات بين هذه الفئة من السكان  في دراسة استقصائية أجريت عام 2019، أفاد 15.2٪ من المستجيبين بأنهم مصابون بمرض مزمن، مع ارتفاع ضغط الدم والاضطرابات النفسية ومرض السكري مما يعكس أكثر الأمراض المزمنة شيوعًا المبلغ عنها.

المرشدة النفسية نائلة مهنّا، أشارت إلى أهمية الدعم النفسي لهذه الفئة، وضرورة وضع برامج خاصة بهم تؤمن لهم الحياة الكريمة مثلهم مثل باقي اللاجئين، تقول المرشدة، “يجب أن يكون هناك شخص ونيس في عائلة المسنين بشكل دائم، وإن لم يكن من أبنائهم أو أحفادهم، يمكن للمنظمات أن تعيّن أشخاصاً يقومون بالمتابعة الدورية لهم، ويجب أن يكونوا قادرين على تمكين كبار السن للتغلب على مخاوفهم والمصاعب التي يواجهونها، كما ويجب تأمين العناية الصحية القائمة على توعية كبار السن وأسرهم حول كيفية العناية بالأمراض المرتبطة بالعمر، وتقديم برامج دعم تستهدف الأسرة بكاملها للتوعية حول أهمية دمج المسنين اجتماعيا وتقديم العناية المطلوبة لهم على المستويين الصحي والنفسي”.

هناك أوجه قصور في رعاية المسنين من اللاجئين السوريين في تركيا، لا سيما فيما يتعلق بتوفير الخدمات الصحية والنفسية والمساعدة في الوصول إلى الرعاية الصحية الأولية، كما أن انتشار الأمراض المزمنة بين اللاجئين السوريين يستدعي الحاجة الملحّة لتدخل الجمعيات العاملة ومعالجة الاحتياجات الصحية والضغوط النفسية لهذه الفئة من السكان، وتمكينها للتغلب على المصاعب التي تواجهها.

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “JHR”صحفيون من أجل حقوق الإنسان” بتمويل من برنامج عالم كندا Global Affairs Canada

شارك:

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on pinterest
Pinterest
Share on linkedin
LinkedIn

اترك تعليقاً

منشورات ذو صلة

مشروعا ماروتا وباسيليا.. لا مكان للفقراء والمعارضين

برغم العقوبات الدولية المفروضة على النظام السوري وقانون قيصر الأمريكي، استمرت عملية إعادة الإعمار في مدن عديدة، وكان أشهر هذه المشاريع مشروع مدينة ماروتا سيتي في منطقة بساتين الرازي في ريف دمشق، والتي تبلغ مساحتها 2 كلم٢، وتعتبر بحسب القائمين على المشروع الخطوة الأولى للمدن الذكية في سوريا.