الكثير من الجمعيات… القليل من الخدمات

تنشط الكثير من الجمعيات والمنظمات المعنية بالشأن السوري في تركيا، ويفوق عددها المئة جمعية ومنظمة، وتعمل لتقديم الدعم للسوريين اللاجئين في تركيا والمقيمين في الداخل السوري.

ومقابل هذا التواجد الكثيف يُلاحظ غياب خدمات الدعم المعلن عنها والنقص الكبير في احتياجات هذه الشريحة من اللاجئين، التي أُنشئت هذه الجمعيات بهدف خدمتها ودعمها سواء صحيا أو نفسيا أو توجيهياً أو توعوياً أو تدريبياً.

لا ينبغي إغفال نشاط بعض الجمعيات التي تعمل بشفافية وتوصل خدماتها للكثير من محتاجيها بنشاط وجهد كبيرين من عاملين ومتطوعين وتطبق الهدف والرؤية التي أنشئت من أجلها، ولكن يبقى من الأهمية بمكان الإشارة إلى مكامن الخلل لمعالجة الضعف في المنهجية أو التطبيق، ولمواجهة الجمعيات التي تبقى رؤيتها وأهدافها حبراً على ورق، بحيث تكون نشطة على صفحات التواصل وخاملة في مجال الأنشطة والفعاليات وتقديم الخدمة، تتلقى الدعم دون أن يكون لها أيّ نشاط على أرض الواقع.

تقول يسرى.م، اللاجئة السورية المقيمة في مدينة أورفة، إنها قصدت عدة جمعيات طلبا لدعم مادي لدفع أجرة المنزل، بعد توقفها عن العمل خلال جائحة كورونا، كونها أرملة ولا معيل لها دون أن تحصل على شيء، وقصدت جمعية أخرى بهدف المساعدة في العلاج، فأجابوها أنهم لا يقدمون هذه الخدمة دون أن يحيلوها إلى جمعية أخرى تُعنى بحالتها.

من جهته اشتكى العامل إبراهيم والمقيم في مدينة غازي عنتاب من توقف عمله خلال الجائحة، وحاجته لدعم ومساعدة، فقصد جمعيات عدة لم تتجاوب معه سوى واحدة منها، وطلبت منه تعبئة ملف ولاحقاً أمدته بمساعدة عينية لشهرين ثم توقف الدعم.

أما راما اللاجئة السورية في غازي عنتاب فتقول إنها لا تعرف أي جمعية تقدم خدمات تعليم اللغة والتدريب العملي، فهي بحاجة للعمل وينقصها التدريب، تقول راما، “أبحث على مواقع التواصل عن جمعيات تقدم التدريب مجاناً، أتواصل بشكل عشوائي مع بعضها ولا أحصل على جواب في الغالب، ربما ينقصني المعرفة بسبل البحث أو أنهم غير فعالين، نحتاج إلى جهة تمدنا بالمعرفة للمعلومات عن هذه المنظمات”.

عوائق التواصل

يقول أحد مسؤولي المنظمات رافضاً ذكر اسمه، أن العائق الاكبر أمام وصول الخدمة إلى الجمهور المستهدف تكمن في التواصل، فالخدمة موجودة ولكن لا يعرف عنها إلا القليل، وبالتالي لا يستفيد منها إلا القليل، ويتوجب على الجمعيات أن تجهد لإيصال المعلومة عن خدماتها المقدمة، ليعرف فيها أكبر شريحة من الناس المعنيين والمحتاجين، ويضيف، “برأيي جميع المنظمات مقصّرة في حق اللاجئين، ولا يعملون على سبل إيصال الخدمات لهم بطرق حديثة تسهم في إيصالها للاجئين، الجميع يريد مساعدة نقدية ونحن نقدم الخدمات وعلى الجمعيات شرح هذا الأمر، منعاً من زحمة طالبي خدمة غير موجودة أصلاً، ومنعاً من خلق النقمة على هذه الجمعيات، وهناك أهمية بالغة لتدريب العاملين في الصف الأول الذين يقابلون الأشخاص طالبي الخدمة على التصرف بتهذيب وشكل حضاري، وتقديم الخدمة دون منّة، وتحمّل كثرة الأسئلة أو غضب البعض، وعدم التمييز ومنح الخدمة إلى مستحقيها، وليس إلى المقرّبين كما يحصل في العديد من الجمعيات والمنظمات للأسف”.

“ما حدا بيسأل عنّا”

أبو جابر لاجئ سوري تخطى السبعين عاماً، يجيب بغضب حين سؤاله عن  مدى استفادته من خدمات الجمعيات، “لا أحد يسأل بنا ولا أحد يقدم شيئا، حين كنت أقصدهم لطلب المساعدة غالباً ما ينتهي الأمر بالصراخ المتبادل، أغضب كثيرا من أسلوبهم الفوقي، أنا لا أتذلل بل جئت أطلب حقاً، وخدمة هم يعلنون أنهم يقدمونها، بينما يتعاملون مع أشخاص آخرين بلطف إن كانوا من معارفهم أو مقربين لهم، وعند سؤاله عن طريقة عيشه دون مساعدة، قال أبو جابر، إن ابن اخيه توظف لدى إحدى الجمعيات ومساعدته الآن تصل لباب بيته، ويؤيده صديقه أبو أحمد  بالقول، “المستفيدون منها بتصوري هم موظفوها والمحيطون بهم فقط لا غير، ولا توجد أي خدمات لعامة للناس من اللاجئين”.

جمعيات فاعلة

تؤكد مروة اللاجئة السورية من مدينة حمص والمقيمة في إسطنبول، أنها أجرت ثلاث دورات تدريبة على اللغة ودورة مهنية وحصلت على عمل، عن طريق تواصلها مع المنظمات الفاعلة في المدينة، وتضيف، “ليست جميع الجمعيات غير فعالة، هنالك جمعيات تعمل بجهد وتقدم الخدمة والتشجيع، فأنا من أكثر المستفيدين”، وتشير إلى أن إحدى صديقاتها واجهت صدمة نفسية شديدة وكانت تراودها أفكار مدمرة وانتحارية ودعمتها إحدى الجمعيات نفسيا وعلاجيا لسنة كاملة، حتى تخطت أزمتها، والآن عادت لدراستها وبدأت تبحث عن تطوير ذاتها والتعويض عما فاتها، بحسب مروة.

أما وداد اللاجئة المقيمة في إسطنبول، قالت أن لها تجربة جيدة مع الجمعيات العاملة في تركيا حيث إنها احتاجت لكرسي متحرك لابنها المقعد، وقام القائمون على الجمعية بتأمينه لها، كما أنها تتلقى المساعدات العينية بشكل دوري ومنتظم، “لولا مساعدتهم لكانت حالتنا يرثى لها”.

إنفوغرافيك بياني يظهر العدد الكبير للمنظمات الإنسانية العاملة في تركيا

للمشاهدة بشكل تفاعلي إضغط هنا

توعية على منصات التواصل فقط

تتفاوت الآراء بين اللاجئين حول عمل الجمعيات والمنظمات بين الرضا وعدمه، ولكن ذكر العديد منهم أن عمل عدد جيد من المنظمات الإنسانية تقتصر على منصات التواصل، عبر تقديم النصح والإرشاد والتوعية دون تطبيق، بهدف جذب المانحين واستدراج الدعم، فهذا هدفها الأهم وبعضها يقدم خدمات للداخل السوري، دون أي اكتراث بقضايا اللاجئ السوري في تركيا، بحسب رأي فئة كبيرة من اللاجئين.

وفي جولة بسيطة على دراسات قائمة وأبحاث لمعرفة مدى تأثر المجتمع السوري المقيم في تركيا وإفادته من الجمعيات والخدمات المقدمة بالأرقام والرسوم البيانية تبين أن 20 % يفتقدون الوصول للخدمات الصحية، و 63% من النساء و 66% من الرجال لم يشاركوا في النشاطات التوعوية والمتعلقة بالصحة، و48% من النساء و46% من الرجال لا يعرفون عن  الدورات باللغة التركية المنظمة للبالغين، و80% لا يعلمون طريقة الوصول إلى التعليم وإجراءات التسجيل في الدراسات العليا، و 84% لا يعلمون عن المنح المقدمة للاجئين في الجامعات، و 59% من اللاجئات و 57% من اللاجئين لا يعلمون أين يمكنهم الحصول على خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، و8% من اللاجئين حصلوا من الجمعيات على دورات لغة تركية، 1% حصلوا على دورات مهنية،  و 0.2 % حصلوا على دورات لغة إنكليزية.

المصدر: INDICATORS- TRC الهلال الاحمر التركي وموقع اندكيترز

فساد جمعيات الإغاثة

تشتكي كثير من المنظمات الحقوقية والمدافعة عن حقوق اللاجئين من عدم التوازن المفترض بين تكلفة الإغاثة الإنسانية والمصاريف الإدارية، حيث تعتبر المصاريف الإدارية، وعدم ضبطها، بوابة للفساد. وجاء في أحد التقارير عن مقدار الدعم الذي تتلقاه المنظمات الإنسانية، ويقدر بمليارات الدولارات، أن حجم المساعدات الفعلية التي قد تصل إلى الجهة المستهدفة تقدر بـ 30 بالمئة فقط ويذهب 70% إلى جهات متعددة حكومية أو أممية أو ضمن آليات الفساد، فالكثير من المشاريع الممولة لا تشكل فارقًا بالنسبة إلى الجهة المنكوبة، وغالبية المنظمات تسخر بنود ميزانياتها التشغيلية في بدل السفر وأجور موظفيها الأجانب، بحسب التقرير.

https://www.geiroon.net/archives/120687#_ftn7

وخلال السنوات الماضية أعلنت الولايات المتحدة وقف التعامل مع 12 شركة تسليم وتوريد مسجلة في تركيا، بسبب دورها في تحقيق الأرباح من المساعدات الإنسانية المخصصة لسورية، وأصدر مكتب المفتش العام للوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID، قرارًا يمنع الوكالة من العمل مع هذه الشركات مدة خمس سنوات، وأشار المكتب، في بيان له، إلى أن هذا القرار جاء نتيجة لتحقيق استمر سنتين، في “شبكة فاسدة من الرشوة والاحتيال والتزوير”، ذات علاقة بتقديم مساعدات إنسانية إلى سورية، في إطار برامج تنفذها الوكالة، وبعض تلك المنظمات ذات تاريخ طويل في العمل الإنساني.

وكان الغش الأكثر شيوعًا هو التواطؤ بين الشركات التي تبيع الإمدادات الإنسانية مع موظفي الشركاء المحليين للوكالة الأميركية للتنمية الدولية، الذين قبلوا الرشاوى مقابل المساعدة في الفوز بالعقد، وكما كانت هناك أيضًا حالات لاستبدال مواد المعونة، ببدائل أرخص وكذلك حالات فشل في الرقابة والتفتيش.

https://www.geiroon.net/archives/120687#_ftn8

وذكر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في المادة 29 منه، أنه “على كلِّ فرد واجباتٌ إزاء الجماعة، التي فيها وحدها يمكن أن تنمو شخصيته النمو الحر الكامل، ولا يجوز في أيِّ حال أن تُمارَس هذه الحقوقُ على نحو يناقض مقاصدَ الأمم المتحدة ومبادئها.

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “JHR”صحفيون من أجل حقوق الإنسان” بتمويل من برنامج عالم كندا Global Affairs Canada