لاجئون سوريون محرومون من الرعاية الصحية

منصة عين

إعداد: نازك تلحوق

يعيش يوسف اللاجئ السوري المقيم في مدينة غازي عينتاب جنوب تركيا مع زوجته وابنه  منذ ما يقارب الثلاث سنوات، لم يتمكن يوسف من التسجيل ضمن نظام حماية الأجانب في تركيا، وهو يقيم  ويعمل بشكل غير شرعي، وكلاجئ غير مسجل حُرِم يوسف وأسرته من الرعاية الصحية ومختلف الحقوق الممنوحة للاجئين بموجب هذا القانون، يشكو يوسف من صعوبة الوضع المعيشي ومن الخوف الدائم من الترحيل، ويقول، “تركت سوريا وقصدت تركيا بحثاً عن الأمان لعائلتي، ولكنني الآن أعيش في قلق دائم على مصير عائلتي ودخول ابني المدرسة وعلاجه، الكثير من اللاجئين مثلي غير مسجلين ولا يحصلون على الرعاية الطبية عند المرض، ومع انتشار وباء كورونا وبرغم أن الفحص مؤمّن للمسجلين وغير المسجلين، لكننا لا نقوم بالفحص خوفاً من الترحيل أو من فقدان العمل في حال كانت النتيجة إيجابية، فلا حقوق لنا في العمل أيضاً.

يقصد يوسف عيادات غير رسمية وغير مسجلة لعلاج طفله، ويضطر للدفع مقابل الخدمات المقدمة، ولم يقم بتلقيح الطفل باللقاحات الأساسية حتى الآن للأسباب ذاتها، لأن التطعيمات تعطى للمسجّلين، يقول يوسف، “انتظر فتح باب التسجيل كي أقوم بتعديل وضعي، فإبني يحتاج للعلاج والذهاب إلى المدرسة الحكومية، والعيش كباقي الأطفال”.

من ناحيتها تقول زوجة يوسف أنها اضطرت مرة لاستعمال هوية صديقتها لدخول مشفى حكومي، كون العلاج مكلف وفوق طاقتها في العيادات الخاصة أو العيادات غير الشرعية الني يديرها سوريون.


تم تنظيم الوضع القانوني للسوريين في تركيا في العام 2014، مع إنشاء وتطبيق لائحة الحماية المؤقتة بموجب قانون الأجانب والحماية الدولية، والتي شملت التعليم المجاني والرعاية الصحية والحق في العمل لجميع اللاجئين السوريين المسجلين، وتبعه إنشاء مراكز صحية للمهاجرين في العام 2016 بتمويل من الاتحاد الأوربي، ويضم أطباء وعاملين صحيين سوريين ومترجمين، ولكن بالرغم من أن القانون منح الرعاية الصحية للاجئين إلا أنه أغفل جانبا مهماً حين تغاضى عن معاناة عدد كبير من اللاجئين السوريين غير المسجلين في تركيا، والتي لا يخدمها نظام الحماية المؤقتة ولا يشملها قانون الأجانب.

عيادات المنظمات غير الحكومية

سمح بيان محدّث صدر في العام2015  للمنظمات غير الحكومية بتقديم الرعاية الصحية للاجئين السوريين مجانا على أن ينظر بوضعها كل ستة أشهر، وبموجبه تم إنشاء عدد من العيادات التي يديرها سوريون، وتم تسجيلها كجمعية تركية وتقدمت بطلب للحصول على تسجيل قانوني.

ومع ذلك، لم يتم تطبيق القوانين والشروط بشكل منهجي، ففرضت العيادات المسجلة رسومًا على الخدمات ووظّفت أطباء سوريين دون معادلة الشهادات التركية وعالجت اللاجئين سواء كانوا يتمتعون بوضع قانوني أو لا يتمتعون به، بعد ستة أشهر من التسجيل الأولي، لم يتم تجديد وضعهم القانوني رسميًا، لكن استمرت العديد من العيادات في ممارسة عملها بشكل غير رسمي بقبول ضمني من الدولة.

https://reliefweb.int/report/turkey/syrian-refugees-navigate-turkey-s-shifting-health-care-terrain

المكان الوحيد

لاحقا ظهرت عيادات غير رسمية يديرها سوريون في الشقق والمجمعات التجارية، ويعالج فيها الأطباء السوريون المرضى، وسمح وجود العيادات التي يديرها السوريون بتلبية الاحتياجات الصحية للاجئين غير المسجلين.

وفي هذا الإطار يقول مدير إحدى هذه العيادات، “اللاجئون المسجلون لديهم العديد من الخيارات فقد يقصدون عيادتنا أو المراكز والمستشفيات الحكومية، أما غير المسجلين فهذا هو المكان الوحيد للأشخاص اللذين ليس لديهم هوية، وغير المسجلين الذين لم يتمكنوا من تسوية أوضاعهم”.

من جهتها تقول اللاجئة السورية لما، “نعيش في اسطنبول مند أربع سنوات بدون تسجيل وعند المرض نقصد العيادات غير الشرعية التي يديرها سوريون للعلاج، وهذا حال جميع من أعرفهم من غير المسجلين”.

أعداد غير المسجلين

لم يتم الوصول إلى رقم حقيقي وإحصاء دقيق لعدد اللاجئين السوريين غير المسجلين في تركيا، إذ تشير دراسة  موجز الحالة في تقرير عن المهاجرين القسريين، إلى أنه يقدر عدد المهاجرين غير الشرعيين في تركيا بحوالي 500000، منهم 55236 من المهاجرين من سوريا، ومع ذلك تضيف الدراسة، من المستحيل معرفة العدد الدقيق للاجئين غير المسجلين وقد يكون أعلى من ذلك.

وفي ذات السياق، تشير دراسة إلى تقديرات بمئات الآلاف إلى أكثر من مليون لاجئ سوري غير مسجل، ووفق إحصاء YUVA لتقييم احتياجات اللاجئين، أفاد القائمون على المنظمة أن 13% ممن شملهم الاستطلاع من اللاجئين السوريين غير مسجلين.

مخاوف الترحيل

ذكر مشرف تركي على إحدى مراكز صحة المهاجرين أنه إذا جاء سوريون بدون هوية رسمية إلى العيادة لتلقي الرعاية، فسوف يرسلونهم إما إلى رعاية الطوارئ أو إلى عيادات موثوقة، فقد يتم التساهل أحيانا مع مخالفي التسجيل في المراكز الصحية للدولة ولكن لا أحد منهم يرغب بالمجازفة، بحسب المشرف.

وبحسب القانون يحصل اللاجئون السوريون غير المسجلين فقط على رعاية الطوارئ، وبعد ذلك يتم تحويلهم إلى مكاتب التسجيل.

ومع انتشار جائحة  كورونا  صدر قرار حكومي في نيسان 2020 يتعلق بتقديم الرعاية المجانية المتعلقة بـ COVID-19، بما في ذلك معدات الحماية والاختبار والعلاج، بغض النظر عن حالة التسجيل أو عدمها، ولكن دراسة صادرة عن المنظمات غير الحكومية، أشارت إلى أن اللاجئين الذين يخشون الترحيل استمروا في تجنب الرعاية الصحية الحكومية، حيث يخشى البعض أن يؤدي اختبار COVID-19 الإيجابي إلى طردهم من وظائفهم أو منازلهم نتيجة للقلق المستمر بشأن الترحيل، ويواصل اللاجئون غير المسجلين طلب الرعاية في مقدمي الرعاية غير الرسميين.

وفي تصريح لدائرة الهجرة في إسطنبول، إن أعداد اللاجئين السوريين المخالفين في اسطنبول تبلغ سبعة آلاف، وأشار التصريح إلى أن أكثر من 395 ألف سوري عادوا من تركيا إلى مناطق شرق الفرات بعد عملية نبع السلام.

وشهدت ولاية اسطنبول ترحيل ستة آلاف و416 سوريًا غير مسجلين إلى مراكز الإقامة المؤقتة في ولايات تركية أخرى، في الفترة ما بين 12 من تموز و15 من تشرين الثاني 2019.

وكانت السلطات التركية أصدرت قرارًا بتنظيم وجود السوريين غير المسجلين أو المسجلين في ولايات أخرى والمقيمين في ولاية اسطنبول، في حزيران 2019.

وبلغ عدد السوريين المقيمين في تركيا ثلاثة ملايين و576 ألفًا و344 نسمة، بحسب إحصائيات المديرية العامة لإدارة الهجرة لعام 2020.

ويقيم في اسطنبول 483 ألفًا و445 لاجئًا سوريًا، أي ما يقارب 30% من مجموع السوريين في تركيا.

حق قانوني

يشير القانوني أحمد شيباني إلى ضرورة تنظيم خيارات الرعاية الصحية المتاحة للاجئين غير المسجلين، وتقديم الدعم المالي للمنظمات غير الحكومية ودعوتها لتعزيز علاقاتها مع مقدمي الرعاية الصحية، فهذا من شأنه أن يساعد في تسهيل الرعاية المجانية أو المدعومة لهؤلاء اللاجئين المستبعدين من نظام الدولة، مثل هذا الجهد من شأنه أن يعود بالمنفعة على الصحة العامة، ويؤكد الحق في الصحة لجميع اللاجئين بالعلاج على النحو المنصوص عليه في دستور تركيا، ووفقا للإعلان العالمي لحقوق الانسان، بحسب شيباني.

وتنص المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، على أنه “لكلِّ شخص حقٌّ في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصَّةً على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية، وله الحقُّ فيما يأمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمُّل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه”.

يعتبر الوضع القانوني محددًا أساسيًا في تحديد استفادة اللاجئين من نظام الرعاية الصحية التركي، وبدون التسجيل على الحماية المؤقتة، لن يتمكن السوريون من الحصول على أي خدمات صحية مجانية، باستثناء الرعاية الصحية الطارئة، إلا في العيادات التي تمارس عملها بالسر، يمكن لكل من الدولة والمنظمات غير الحكومية أن تلعب دورًا نشطًا في إيجاد حلول لهذه المعضلة، عبر العمل لإضفاء الشرعية على العيادات التي يمكنها إثبات التزامها بمعايير وزارة الصحة لتوفير الرعاية، ومنح المراكز الصحية للمهاجرين تصريحًا رسميًا لقبول اللاجئين غير المسجلين، كما ينبغي تعزيز الروابط بين المنظمات غير الحكومية للتوعية بأهمية وأحقّية الرعاية الصحية اللاجئين غير المسجلين.

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “JHR”صحفيون من أجل حقوق الإنسان” بتمويل من برنامج عالم كندا Global Affairs Canada