اللاجئون السوريون يهملون الرعاية الصحية الأولية

منصة عين

إعداد: نازك تلحوق

تنتظر ندى اللاجئة السورية المقيمة في مدينة أورفة جنوب تركيا، والحامل في شهرها السادس قدوم مولودها الأول بفارغ الصبر، فقد حملت به بعد طول انتظار، وتشعر بالآلام بين الحين والآخر، ولكن تطمئنها حماتها أن هذه الآلام طبيعية ولا تستوجب معاينة طبية.

لم تقم ندى بزيارة عيادة النساء والتوليد إلاّ مرة واحدة، والمرة الثانية ستكون إلى المشفى عندما يداهمها المخاض، وعند سؤالها عن الرغبة في الاطمئنان على الجنين وضرورة إجراء الكشف الدوري الشهري طوال فترة الحمل، تجيب أنه غير ضروري وأن زيارتها التالية للمشفى ستكون عند الولادة فقط، وتؤيدها الوالدة والحماة بشدة.

إن الجهل بأهمية المتابعة الطبية والكشف الدوري يدفع بالعديد من اللاجئين واللاجئات السوريات إلى إهمال الرعاية الصحية الأولية والمتابعة، وهذا ما يفاقم وضعهم الصحي ويسبب لهم مضاعفات قد تكون خطيرة، بل ومميتة احياناً.

محمود لاجئ سوري مقيم في مدينة غازي عينتاب، يقول إنه عانى أسبوعاً كاملاً من الألم وكان يقصد الصيدلية لشراء المسكنات، ويأخذ بعض الوصفات المنزلية التي ينصحه بها الأصدقاء، و حين اشتد عليه الألم ذهب لقسم الطوارئ واضطر لإجراء عملية طارئة، إذ أنه كان يعاني من المرارة، وفاقم إهماله وعدم ذهابه لمركز الرعاية الأولية للكشف المبكر حالته، وأجبره على إجراء عملية جراحية أوقفته عن العمل عشرة أيام.

وفي دراسة بحثية لكلية الطب جامعة أنقرة وكلية طب جامعة كوس اسطنبول بالتعاون مع وزارة الصحة التركية، أشارت إلى أن السلوك العام عند اللاجئين السوريين يُظهر أن هناك ميلًا لتخطي خدمات الرعاية الأولية والطلب على الرعاية الصحية الثانوية والثالثية، وشددت الدراسة على أهمية تقوية العناية الصحية الأولية عبر رفدها بالمترجمين وتدريب طواقم طبية سورية لإزالة العقبات التي تواجه اللاجئين لتخفيف الضغط عن المستشفيات.

https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC7129060/

كما تشير دراسة بحثية إلى أن أكثر الأقسام زيارة كانت قسم الطوارئ، مشددة على أهمية تسهيل الوصول للرعاية الصحية الأولية، لما لها من دور مهم في تخفيف العبء عن خدمات الصحة الثالثية، وعن أقسام الطوارئ في المستشفيات، وبالتالي تخفيف كلفة العلاج الطبي.

https://smj.org.sa/content/37/7/809

ضعف الوعي الصحي

 يهمل العديد من اللاجئين واللاجئات السوريين في تركيا إجراءات العناية الصحية الأولية ويظهر السلوك العام أن هناك ميلاً لتخطي الرعاية الأولية والطلب على الرعاية الثانوية والثالثية، ويتم التركيز على الحضور للمستشفيات وأقسام الطوارئ في حالات الأوضاع الصحية الطارئة والمؤلمة، ويتجاهل الكثير من اللاجئين المتابعة الطبية بعد العمليات أو الولادات وهذه ظاهرة تؤدي لتزايد المشكلات الصحية وتطورها، ويمكن أن تؤدي إلى الوفاة عدا عن التكلفة المادية المضاعفة والمعاناة الصحية. 

قد تشكل عوامل الوصول للخدمات وضعف المعرفة عوائق عديدة، بينما تشير الأبحاث إلى أن الاتجاه العام لدى اللاجئين هو إهمال المتابعة على أساس أنها ليست ذات أولوية بالنسبة إليهم.

تدعم وزارة الصحة التركية حصول اللاجئين السوريين على العناية الطبية في المستشفيات العامة، ولكن البيروقراطية وصعوبة الحصول على الخدمات الصحية والاختلافات الثقافية والحواجز اللغوية وعدم استجابة بعض مقدمي الخدمة، وعدم مبالاتهم باحتياجات الرعاية الصحية للاجئين، يزيد عبء العمل على مراكز الرعاية الثانوية.

وفي هذا الإطار شددت منظمة الصحة العالمية في دراسة بحثية أقيمت في العام 2020، على أهمية تكامل وقبول اللاجئين السوريين داخل المجتمع المضيف، ليس فقط لمنع التمييز ولكن أيضا لتقوية علاقة العاملين الصحيين باللاجئين ومساعدتهم على الاستفادة بشكل أكبر من خدمات الصحة الأولية، لتحسين وضعهم الصحي العام.

ودعت الدراسة إلى التنظيم الفعال لخدمات الرعاية الصحية الأولية، واستخدام نظام الإحالة بين خدمات الرعاية الصحية الأولية والثانوية والثالثية، ولفتت إلى أن أوجه القصور في النظام الصحي تنعكس في قلة الاستفادة من خدمات الرعاية الصحية الأولية من قبل اللاجئين في تركيا، الذين يفضلون طلب العلاج في مراكز الصحة الثانوية والثالثية، وهي أمور مألوفة لمعظم اللاجئين الذين نشؤوا في بلاد لا  تقوم بالتخطيط لخدمات الرعاية الصحية الأولية أو لا تستخدمها بشكل فعال.

https://www.euro.who.int/__data/assets/pdf_file/0010/465877/Assessing-the-health-literacy-and-health-communication-needs-of-Syrian-refugees-in-Turkey-eng.pdf

أهمية التوعية

دراسة بحثية لمنظمة الصحة العالمية  أجريت العام الماضي بالتعاون مع كلية طب جامعة غازي في أنقرة، كشفت أن 84% من اللاجئين السوريين  لديهم معدل مرتفع من الأمية الصحية ومعظمهم لا يفهم التعليمات والتوجيهات الصحية المتعلقة باستمارات الموافقة، وملصقات الأدوية، ومعلومات الرعاية الصحية، والمعلومات المكتوبة والشفوية التي يقدمها الأطباء أو الممرضات أو الصيادلة و غيرهم من متخصصين في الرعاية الصحية، ولا يعرفون التصرف وفقًا للتوجيهات، وأن 49.5% لديهم جهل في طرق الوصول إلى المعلومات الصحية وفهمها، من أجل إصدار الأحكام واتخاذ القرارات في الحياة اليومية المتعلقة بالرعاية الصحية والوقاية من الأمراض وتعزيز الصحة. 

https://www.euro.who.int/__data/assets/pdf_file/0010/465877/Assessing-the-health-literacy-and-health-communication-needs-of-Syrian-refugees-in-Turkey-eng.pdf

ولفتت الدراسة إلى أنه قد تكون اللغة هي السبب الرئيسي لذلك، لذا يجب التوجه لهذه الفئة عبر توفير المعلومات الصحية باللغة العربية واستخدام الرسوم البيانية للاجئين الأقل معرفة بالقراءة والكتابة، كما يمكن أن يستفيد اللاجئون من التعليم والتدريب على البرامج الصحية التوعوية التي تقدم معلومات تعزز الصحة والوقاية، بحسب منظمة الصحة العالمية.

 هذا ووجدت الدراسة أنه بالنسبة للاجئين السوريين، فإن الشبكة الاجتماعية العائلية هي امتداد مهم للوصول إلى المعلومات الصحية ولاتخاذ القرارات الصحية الصحيحة، ويتخذ معظم الرجال البالغين القرارات المتعلقة بالصحة بمفردهم وأحياناً بمشاركة أشخاص آخرين، في حين أن معظم النساء تتشاورن مع أزواجهن وأمهاتهن ويتأثرن بشدة بأزواجهن أو بآراء كبار الأسرة، وهذا ما يؤدي إلى تغيير قراراتهن الصحية والعلاجية، وكان معظم المراهقين يعتمدون على والديهم، بحسب الدراسة.

بالأرقام

23.1٪ من المشاركين بإحصاء منظمة الصحة العالمية وصفوا صحتهم بالسيئة، و 34.1٪ لم يزوروا طبيبًا أو طبيب أسنان في آخر 12 شهراً، 44.1٪ من المشاركين قالوا أنهم سيذهبون إلى غرفة الطوارئ للعلاج، وقال 22.1٪ أنهم يستدعون سيارة إسعاف في حالة الطوارئ، 47.5٪ فقط يعرفون رقم الخط الساخن للطوارئ 112، 33.1% لا يفهمون ما يقوله الطبيب ويعتمدون على المترجمين، 66%  لا يعرفون أماكن طلب المعلومات حول الخدمات الصحية في تركيا.

أما عن طريقة الحصول على المعلومات الصحية، فكان لوسائل التواصل الاجتماعي 45.6٪، وعن طريق المكالمات الهاتفية والرسائل القصيرة 26.3٪.

اتجاهات عامة للاجئين

بحسب المركز الأمريكي لمكافحة الأمراض وطرق العدوى CDC حول السلوك العالم للاجئين السوريين المتعلق بالرعاية الصحية الأولية، تبين أن لديهم ضعف الوعي بالأمراض المزمنة واحتمال حدوثها، إضافة إلى أنهم قد يتوقفون عن تناول الأدوية في حال ذهاب الأعراض، كما يقل احتمال عودتهم لمواعيد المتابعة إذا لم يعودوا يعانون من الأعراض المرافقة.

https://www.cdc.gov/immigrantrefugeehealth/profiles/syrian/index.html#ref-9

وفي دراسة بحثية لكليات طب جامعة أضنة وأنقرة بالتعاون مع وزارة الصحة التركية ومركز صحة المجتمع المركزي، أظهرت الدراسة أن العائلات السورية اللاجئة في تركيا لم يكن لديها معرفة كافية عن اللقاحات، حيث إن 60٪ فقط من العائلات لدى أطفالها بطاقة توثيق تطعيماتهم، وما يقرب من 70٪ من السوريين لا يعرفون أي لقاح يجب أن يعطى للأطفال دون سن الخامسة، إضافة إلى ما نسبته 22.4% من الأطفال لم يتم تطعيمهم أبداً. 

ويشير طبيب الصحة العامة معتز اليوسف في حديثه إلى أن الرعاية الصحية الأولية هي خط الدفاع الأول للقطاع الصحي بأكمله، ومن الضرورة أن يقصدها المريض في البداية قبل التوجه إلى المراكز المتخصصة والطوارئ، ويؤكد الطبيب على أن هنالك الكثير من اللاجئين السوريين الذين يهملون الرعاية الصحية الأولية، ولا تقوم نسبة كبيرة من النساء بالمراجعة أثناء الحمل وبعد الولادة وكذلك قلة منهن تقمن بالفحوصات الدورية.

وشدد الطبيب على ضرورة متابعة النساء خلال فترة الحمل وبعده، “إذ أنه من الممكن أن تؤدي عدم المتابعة للإجهاض أو معاناة الطفل المولود من أمراض وتشوهات كان بالإمكان منعها بالفحص الدوري”.

ويضيف الطبيب، “إن الإهمال لا يقتصر على حالات الحمل وأمراض النساء، بل يعمد الكثيرون إلى عدم إجراء فحص دوري للأمراض المزمنة ومتابعتها، وهذا ما يزيد المخاطر الصحية ويصعّب العلاج كما ويزيد معدل الوفيات بين اللاجئين واللاجئات”.

الصحة وحقوق الانسان

نصت المادة٢٥ من الإعلان العالمي لحقوق الانسان على أنه، “لكلِّ شخص حقٌّ في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصَّةً على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية، وله الحقُّ في ما يأمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمُّل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه، وللأمومة والطفولة حقٌّ في رعاية ومساعدة خاصَّتين. ولجميع الأطفال حقُّ التمتُّع بذات الحماية الاجتماعية سواء وُلِدوا في إطار الزواج أو خارج هذا الإطار”.

إن إهمال الرعاية الصحية الأولية وطرق العلاج عدم متابعته يؤدي إلى تفاقم المشكلات الصحية بدلاً من حلها، واكتظاظ أقسام الطوارئ في المستشفيات مكلف صحياً ونفسيا، ومرهق للاجئ والدولة المضيفة والطاقم الطبي على السواء، ومن الضروري زيادة أنشطة التثقيف الصحي المتاحة بالتعاون مع المنظمات الحكومية وغير الحكومية لخلق جهود مجتمعية للتغلب على العوائق التي تحول دون الوصول وتغيير الرأي السائد والوعي بأهمية الصحة الأولية عملاً بتوصيات منظمة الصحة العالمية.

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “JHR”صحفيون من أجل حقوق الإنسان” بتمويل من برنامج عالم كندا Global Affairs Canada