الزواج القسري.. معاناة إضافية تكابدها السوريات

منصة عين

20 \ 03 \ 2021

إعداد: نازك تلحوق

ميساء اللاجئة السورية من بلدة كفر هود بريف حماه الشمالي والمقيمة في مدينة غازي عنتاب، تزوجت رجلاً يكبرها عشرين عاماً، لم تكن ترغب بالزواج به، بل أجبرت عليه كونه أمن المسكن ومبلغاً مالياً جيداً لها ولعائلتها.

تقول ميساء، “حين فاتحتني أمي بالأمر كنت احتضن لعبتي ولم أكن قد تجاوزت الثالثة عشرة من عمري، لم أفهم ما تعنيه، لكن نظرات والدي كانت كفيلة بجعلي أفهم أنه موافق على هذا الزواج، وعندما رأيت العريس نفرت منه ولم أحبه، وحين قلت رأيي به صُفعت وهُددت بأنه علي الموافقة وإلا سأنال عقوبة قاسية من عائلتي، إذ كان ميسور الحال بينما نعيش نحن في وضع مزرٍ من لجوئنا خارج بلدنا”.

تضيف ميساء، “لم يسأل عنه أحد من أهلي، الشيء الوحيد الذي اهتموا بالسؤال عنه كان المبلغ الذي سيقايضونني به، استسلمت للأمر وتركت دراستي وتزوجت، ولكن زواجي لم يستمر فأصبحت مطلقة في السادسة عشرة”.

رُزقت ميساء خلال زواجها الذي استمر ثلاث سنوات بطفلة جميلة قررت حمايتها والحرص على أن تعيش مراحل طفولتها التي حرمت منها وأن تكمل تعليمها، ” أنا الآن أعيش لأجلها وأرى حياتي من خلالها، ومن المستحيل أن أفرّط بها كما فرّط أهلي بي، ولن أسمح أن يزوجها أحد رغماً عن إرادتها”.

وحين سؤالها عن حقوقها بعد الطلاق أفادت ميساء أن زواجها غير مسجّل، وبالتالي لا يمكنها المطالبة بأي حقوق لها ولابنتها، وتعتمد حالياً على مساعدات الجمعيات الأهلية وتنتظر ابنتها لتكبر لتضعها في حضانة وتبدأ رحلة البحث عن عمل لتتمكن من إعالتها.

تقول ميساء “لو كنت أعلم بوجود جمعيات الدعم والمساندة لكنت التجأت إليها، ولو كنت أفهم العواقب القانونية لهذا الزواج والقوانين التي تمنعه لكنت تقدمت بشكوى، ولو كنت أعلم أنني لن أتمكن من تسجيل الطفلة لكنت رفضت هذا الزواج حتى لو كلفني الأمر حياتي، ولكن الجهل وعدم المعرفة وضغط الأهل وضعني امام هذه المأساة فأصبحت طفلة مطلقة وام لطفلة “.

أرقام وإحصاءات

بعد الأزمة السورية تزايدت نسبة زواج الفتيات المراهقات من 13% قبل الحرب إلى 46% بعدها بحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان، ونتيجة الظروف المعيشية الصعبة التي رافقت النزوح واللجوء، عمدت العديد من الأسر إلى التخلص من عبء الفتيات بتزويجهن بسن صغير مقابل منفعة مادية لأسرهن، غالبا ما يكون هذا الزواج بالإكراه ولا يمكن للفتاة إبداء الرأي، وتتعرض معظم الفتيات للتعنيف في منزل الزوج كونها صغيرة وضعيفة غير عالمة بحقوقها ولا سند لها لأن العائلة أبدلتها بالمال أو بمنفعة معينة.

ووفقاً لليونيسيف كانت نسبة زواج القاصرات تبلغ 13%، قبل بداية الحرب في سوريا، وبلغت 15% خلال عام 2012، وارتفعت إلى 35% خلال عام 2015، أمّا في عام 2019 فقد وصلت إلى 46%، وتزيد هذه الأرقام في مناطق شمال سوريا بحسب صحفيون من أجل الحقيقة والعدالة، حيث تخطت نسبة زواج الأطفال مستويات ال 73% من إجمالي عمليات الزواج في هذه المدن خلال العامين الماضيين.

وكشف “برنامج مناهضة العُنف في الأمم المتّحدة” أن أسباب ارتفاع معدّل زواج القاصرات في سوريا خلال الأزمة تعود بشكل رئيسي إلى أسباب اقتصاديّة، حيث يلجأ الأهل الذين يعانون من وطأة الظّروف الاقتصاديّة المتدهورة إلى تزويج بناتهنّ القاصرات للتّخلص من مصاريف إعالتهنّ، أوللحصول على بعض الفائدة من مهورهنّ، ومن الأسباب الرئيسة أيضاً، الخوف على “شرف البنت” ولا سيما في مناطق النزوح واللجوء، أو الخوف عليها من العُنف الجنسيّ والاغتصاب في المناطق التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة.

وتتحدث وداد أبو بكر المسؤولة عن برنامج مناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي في صندوق الأمم المتحدة للسكان، عن النتائج السلبية المترتبة على الزواج المبكر، واصفةً إياه بأنه نوع من أنواع العنف ضد المرأة، كونه يتسبب بحرمانها من فرصة التعليم فتفقد إمكانية تطوير ذاتها، ولا يمكنها الاطلاع على واجباتها وحقوقها.

دليل الإحالة

أصبح الأمر أكثر سهولة على الفتيات المهددات بالزواج القسري  في مدينتي الباب وغازي عينتاب، مع صدور دليل الإحالة الذي يحتوي على معلومات وافية عن جمعيات الدعم والحماية وعناوينهم وأرقام التواصل، وهذا من شأنه أن يساعد النساء والفتيات اللواتي يتعرضن لعنف وضغوط وتهديد لإجبارهن على الزواج على اللجوء إليها لطلب الخدمة والمساعدة عند  الحاجة، وتقدم هذه الجمعيات المتابعة النفسية والدعم القانوني والطبي وخدمات مختلفة، ويتم التنسيق بين العديد من الجمعيات العاملة في هاتين المدينتين لتقديم أفضل خدمة ممكنة للنساء المعنّفات.

دليل إحالة النساء الناجيات من العنف، هو من عمل شبكة المرأة السورية وبدعم من منظمة UN Woman ومنظمة دعم الشعب الياباني، يشرح الدليل أنواع العنف الممارس على النساء والفتيات السوريات، وأماكن طلب المساعدة المتوفرة في مدينتي الباب وغازي عنتاب اللواتي تضمان أعداد كبيرة من النازحين واللاجئين، إذ يبلغ عدد اللاجئين السوريين في غازي عينتاب 452420 شخصاً، بينما تشهد مدينة الباب نزوحاً داخلياً نتيجة النزاع أدى لتزايد عدد سكانها بشكل كبير.

ويكمن الهدف الرئيسي من نشر دليل الاحالة في تطوير منظومة شاملة تستجيب لاحتياجات الناجيات من العنف، فعادة ما تحتاج الناجية إلى خدمات عدة منها طبية أو دعم قانوني ونفسي أو بيوتاً آمنة لإعادة التأهيل والتمكين، وهذا ما يتجاوز قدرة منظمة واحدة على معالجتها، وبالتالي تتطلب الاستجابة لاحتياجاتهن الربط بين مقدمي الخدمات المختلفة لضمان الحصول على  الخدمات اللازمة بطريقة آمنة وفعالة، وتستفيد النساء الناجيات من العنف وعائلاتهن من خدمات هذا الدليل ، كما المنظمات العاملة مع هؤلاء الناجيات لكونه يسهل الإحالة بين المنظمات المختلفة.

معالم عبد الرزاق مديرة المشاريع في شبكة المرأة السورية تحدثت عن تأسيس قسم الحماية في الشبكة، وأكدت على عمل الشبكة على تحقيق هدفها في مساعدة النساء الناجيات والمعنّفات لتوثيق حالاتهن وإحالتهن لمراكز خدمية تؤمن لهم الدمج المجتمعي والمساعدة القانونية، تقول معالم، “حاليا لدينا فريق كبير متدرب والبعض منهم في طَور التدريب، ولدينا خطّين لاستقبال الحالات، المستفيد الأكبر من الدليل هم المؤسسات والمنظمات العاملة مع النساء التي تضم ضمن مخططاتها بناء قسم حماية وفتح خط إحالة بالإضافة للنساء بشكل مباشر لأنه يتضمن خارطة خدمات لهذه المنظمات تسهّل الوصول إليها”.

ولفتت معالم إلى أن كل المراكز التي شملها الدليل هي مراكز تمت زيارتها من قبل الشبكة وتم تقييم الوضع والتأكد من أنها تقدم هذه الخدمات فعلاً، “هناك مراكز أخرى تقدم خدمات لكننا كنا حريصين على ذكر أسماء المراكز التي قمنا بزيارتها والتأكد منها”.

وأكدت معالم على أن خطة شبكة المرأة السورية تتضمن توسيع الخارطة لتضم مراكز أخرى وتصل لأكبر عدد من المستفيدات،  تضيف معالم، “من  الخطوات القادمة أن يكون لدينا نظام متابعة لهذه الحالات، أي نتابع مع السيدة إن وصلت وحصلت على الخدمة أم لا، كأن تكون  حصلت على خدمة قانونية وستتحول على الخدمة النفسية مثلا، ومتابعة الأثر النهائي لهذه الحالة كخطوة مستقبلية، أما عن كيفية ضمان وصولنا للنساء، فهو عن طريق الضخ الإعلامي عن طريق المؤسسات الإعلامية ومؤسسة JHR، بالإضافة لفرقنا ومجموعاتنا، إذ سنعمل على التعريف بالدليل في جلسات تعريفية مع الشركاء والمنظمات الشريكة للتعريف بالدليل وتوزيع الأرقام الخاصة بالإحالة، وفعلاً بدأنا باستقبال الحالات”.

ونحن بدورنا ننشر لكم الأرقام الخاصة بالإحالات ومتابعتها.

05539569588

05396066497

تداعيات نفسية واجتماعية وصحية

يشير تقرير للأمم المتحدة بعنوان “أمومة في عمر الطفولة، مواجهة تحدي حمل المراهقات”، “إن الحمل المبكر يؤثر في صحة الفتيات وتعليمهن وحقوقهن، وستواجه الفتاة من دون التعليم صعوبات في العثور على وظيفة وبناء مستقبل لها ولأسرتها، وأن الفتاة التي تصبح حاملًا في سن الرابعة عشرة أو ما قبل ذلك، هي فتاة قُوِّضت حقوقها”.

وبحسب الأمم المتحدة، فإنّ زواج القصّر يحرم الفتيات من حقهنّ في اختيار من ومتى يتزوجن، وهو واحد من أهم القرارات في حياة الإنسان، وينبغي اتخاذه بحرية ومن دون خوف أو إكراه، كما أنه يهدّد بشكل مباشر صحة ورفاهية الفتيات، فكثيراً ما يكون الزواج متبوعاً بالحمل، حتى إذا لم تكن الفتاة غير مستعدة له جسدياً ونفسياً، وتعدّ مضاعفات الحمل والولادة من بين الأسباب الرئيسية في الوفاة بين الفتيات المراهقات”.

وحول الإجراءات القانونية التي يمكن للفتاة التي يمكن أن تقوم بها في حال أقبل أحد أهاليها لتزويجها بالإكراه، يقول القانوني السوري أحمد صوان بأنه في تركيا تستطيع الفتاة أن تلجأ للنيابة العامة وتقدم شكواها لمكتب النائب العام، الذي بدوره يستدعي المدّعى عليه، وبدء التحقيق معه وتوقيفه على ذمة التحقيق.

يضيف صوان، “يجب على الفتاة في هذه الحالة أن تثبت الشكوى بالشهود من أمها أو أخواتها أو غيرهم، ولكن هناك عواقب لهذا التبليغ، لأن هذه الشكوى قد تؤدي لسجن الأب أو الأخ، ويعتبر أنه ارتكب جرم التزويج بنته بالإكراه، وبالتالي يخسر إقامته المؤقتة في تركيا، لذلك يجب على الفتاة أن تحرص على حل المشكلة بعيداً عن الشكوى، وذلك بالإقناع أو إدخال الأقارب، وأصدقاء الأهل كوسطاء لإقناع الأب بعدم إكراهها على الزواج وذلك قبل أن تلجأ للشكوى لدى النيابة العامة”.

وفي ذات السياق ولكن في سوريا، أفاد القانوني السوري أن قانون الأحوال الشخصية في سوريا غامض ولا يوجد نص قاطع بتجريم الإكراه بتزويج الفتاة قسراً، ويضيف صوان، “تنص المادة 18 أنه إذا كان الولي هو الأب أو الجد يشترط موافقته، وإذا كان الخاطبان غير متناسبان سناً ولم يكن هناك مصلحة في هذا الزواج فللقاضي ألا يأذن به، وإذا أتمت المرأة سن 18 عاماً ورغبت بالزواج، فيطلب القاضي من ولي أمرها بيان رأيه في هذا الزواج خلال مدة لا تتجاوز 15 يوماً، وإذا لم يعترض يأذن القاضي بزواجها بشرط الكفاءة ومهر المثل، وهذا يعني أنه لا يوجد نص قاطع بمنع الأب من إكراه ابنته على الزواج”.

وأشار القانوني إلى أنه تم تعديل قانون العقوبات السوري عام 2018، وشدّد خلال تعديله على عقوبة تزويج القاصرات خارج المحكمة، وجعل العقوبة ستة شهور فقط، والتعديل محصور بتزويج القاصرات فقط وخارج المحكمة فقط، مما يعني أن التعديل نص على تزويج القاصرات فقط وليس البالغات اللواتي يتم تزويجهن بالإكراه، ولكن يمكن للفتاة اللجوء للنيابة العامة وتقديم الشكوى على الأب، لأن القواعد العامة للزواج في سوريا تشترط موافقة الفتاة، ويمكن للنيابة العامة أن تحضر الأب وتأخذ منه تعهد وتمنعه من ذلك، بدون وجود عقوبة مخصصة لذلك”.

ويذكر البند الثاني من المادة 16 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أنه “لا يعقد الزواج إلا برضا الطرفين المزمع زواجهما رضاءً كاملاً لا إكراه فيه”.

وتقول لجنة الفتوى بمجمع البحوث الإسلامية، إن استبداد الولي باختيار الزوج وانفراده بالعقد هو جناية على المرأة واستهانة بعواطفها وأحاسيسها، فلا يجوز إكراه المرأة على الزواج ممن لا ترغب في الزواج منه، وإذا أكرهها على النكاح فلا يصح هذا النكاح، وقد رده النبي صلى الله عليه وسلم.

لا يمكن لمعاناة المرأة السورية أن تنتهي إلاّ عبر حل جذري متكامل، فالحل الحقيقي يجب أن يتغلغل في أعماق البنية الاجتماعية للمجتمع السوري ويشمل جوانبه كافة، ويغيره تغييراً جوهرياً، وهذا التغيير لن يحدث بسحر ساحر، فالعادات متغلغلة في المجتمعات منذ سنين طويلة، ولكن يلزمه الوقت والجهود المشتركة في التوعية والاستمرارية وعدم الاستسلام، فالطريق طويل، وهذه ليست سوى أولى الخطوات على المسار السليم.

‘‘تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “JHR”صحفيون من أجل حقوق الإنسان” بتمويل من برنامج عالم كندا Global Affairs Canada‘‘”.