سوريات ناجيات من الاعتقال ضحية الوصم المجتمعي

منصة عين

22 – 03 – 2021

تترك التجربة المريرة للاعتقال عميق الأثر على المرأة السورية، نتيجة لما تعرضت له من تعذيب وانتهاكات متعددة، فتخرج من المعتقل، إن حالفها الحظ بالخروج، محاولة تناسي عذاباتها الجسدية وحاملة وزرها الاجتماعي، وكأن هذه التجربة لا تكفيها، فتجدها بعد خروجها تتعرض لوصم مجتمعي لما يمكن أن تكون قد تعرضت له من تحرش واعتداءات جنسية أو اغتصاب، بل وتحملها بعض المجتمعات وزر اعتقالها وتجبرها على دفع ثمنه أضعافاً.

وفي هذا الإطار يذكر تقرير “اﻻﻧﺘﻬﺎﻛﺎت اﻟﻮاﻗﻌﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺴﺎء ﻓﻲ ﺳﻮرﻳﺎ والأﺛﺮ اﻟﻤﺠﺤﻒ” من إعداد WILPF، إلى أن تجربة السجن تحدث فرقاً لا يمكن تجاوزه في حياة المرأة السورية، حتى بعد الإفراج عنها، ليس لما تتعرض له من تعذيب فحسب، بل لما تفقده خلالها من قيمتها كإنسانة، بحسب التقرير.

وبحسب التقرير، فإن الاعتقال حتى ولو انتهى، هناك أثر اجتماعي واقتصادي ونفسي يتركه الاعتقال في حياتهن، إذ تتعرّض العائلة كلها لضغط نفسي شديد في مجتمع أبوي يربط الشرف بأجساد النساء، وله تداعيات بعد الخروج من الاعتقال قد تصل إلى التسريح من العمل أو الطلاق والنبذ من قبل الأسرة والمجتمع المحلي، وهذا ما دفع كثير من العائلات للدفع ببناتهن للسفر خارج البلاد.

وبحسب خبيرة القانون الدولي ألكسندرا ليلي التي تعمل في المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان، “إن أكثر الجرائم انتشاراً في مرافق الاحتجاز الحكومية السورية هو العنف الجنسي ومع ذلك، فهو من أكثر القضايا التي لا يتم الإبلاغ عنها، لا يتم الحديث عنه بشكل كاف في وسائل الإعلام ولا حتى محاسبة الجناة”.

وتضيف كاثر “إذا تعرضت امرأة لانتهاك جنسي، فإنها قد جلبت العار للعائلة، كما يُعتقد، وبهذا يتم استبعادها”، مشيرة إلى أن هذا يساهم في زعزعة استقرار الأسرة والذي ينتهي به إلى زعزعة قلب المجتمع.

وفي ذات السياق شددت الناشطة الحقوقية والخبيرة القانونية جمانة سيف على أن معظم الناجيات، بعد إطلاق سراحهن، يتعرضن للنبذ والتمييز من المجتمع رغم ما واجهنه من تجارب مروعة في السجن، وبهذا “يدفعن الثمن مرتين”، مؤكدة على أن ما يحتجنه هو خدمات صحية خاصة ومساعدة نفسية والحق في الحماية، وكذلك الاعتراف بمعاناتهنّ.

نظرة المجتمع أقسى

إن نظرة المجتمع الخاطئة للناجية، بدلاً عن دعمها ومساعدتها على الخروج من محنتها ونسيان ما ألمّ بها ومعاقبة المرتكب، جعلها تتعمد إنكار الحقيقة أو إخفاءها وعدم التجرؤ على الحديث عنها كي لا تضطر إلى مواجهة الوصم المجتمعي.

تقول إيمان المعتقلة السابقة في سجون النظام، “ظننت أن ألم الاعتقال لا يمكن أن يضاهيه شيء آخر، إلا أنني وجدت نظرة المجتمع أقسى، عند خروجي من المعتقل، توقعت الحصول على دعم وتعاطف وصدمت كوني أعامل كجانية ومذنبة، ودائما تنهمر النصائح علي كي أصمت ولا أذكر حادثة الاعتقال وأن أنكرها من أساسها، بدأت أشعر أنني جلبت العار لعائلتي، فقررت تغيير مكان السكن والانتقال إلى دولة أخرى والبدء من جديد حيث لا نظرات تلاحقني ولا أحكام مسبقة ووصم”.

وفي هذا الإطار تذكر الأخصائية النفسية ميادة الخليل أنه غالباً ما ترفض النساء التحدث عن هذه التجربة المريرة خوفاً من التبعات الاجتماعية لتلك الجريمة التي يتهيأ للمرأة في أحيان كثيرة أنها الجاني والمذنب فيها، تضيف الأخصائية، “تعاني هذه النساء الأذى النفسي المضاعف جراء الحادثة أولاً ومن ثم وصمة المجتمع لها واعتبار الحادثة عاراً، غاضين النظر عن الفاعل، لعجزهم عن تحميله تبعات جريمته، فيعمدون إلى تجريم الحلقة الأضعف، وهي الفتاة”.

وتشير الطبيبة إلى أن “الرفض المجتمعي والوصم يدفعان الناجية للعزلة والاستسلام وعدم الحديث، وبالتالي عدم التوجه لمراكز العلاج وجمعيات الدعم، كما أن وجود حواجز أخرى كعدم المعرفة بالجمعيات والخدمات المقدمة ومكانها والخوف من عدم احترام السرية والحواجز اللغوية كلها ظروف تمنع النساء من طلب المساعدة”.

دليل الإحالة

أصدرت شبكة المرأة السورية وبدعم من منظمة UN Woman ومنظمة دعم الشعب الياباني دليل إحالة للنساء الناجيات من العنف الذي  يغطي كافة جوانب العنف الممارس على النساء، حيث يمكن للناجية طلب المساعدة بسرية تامة ويجري تعريفها لجمعيات الدعم المناسبة لوضعها، والتي تقدم الخدمات النفسية وتحويلها إليها مع الحفاظ على السرية والخصوصية للحالة.

يحتوي الدليل على معلومات وافية عن جمعيات الدعم والحماية في مدينتي عنتاب والباب وعناوينهم وأرقام التواصل، وهذا من شأنه أن يساعد النساء والفتيات اللواتي يعانين الاضطرابات النفسية جراء الاعتقال ووصم المجتمع على اللجوء إليها لطلب الخدمة والمساعدة عند الحاجة.

 وتقدم هذه الجمعيات المتابعة النفسية والدعم القانوني والطبي وخدمات مختلفة ويتم التنسيق فيما بينها لتقديم أفضل خدمة ممكنة للنساء.

وحول الدليل تقول مديرة المشاريع في شبكة المرأة السورية معالم عبد الرزاق، “نحن بالطور الأول لتأسيس قسم الحماية بالشبكة، لقد استغرق إنتاج الدليل خمسة أشهر من الجهد والعمل، وهدفه الرئيسي مساعدة النساء الناجيات والمعنفات ليوثق حالاتهن أولاً ثم إحالتهن لمراكز خدمية تقدم خدمات قانونية وقضائية ونفسية أو دمج مجتمعي أو تأسيس مشاريع، حالياً لدينا فريق كبير متدرب والبعض الآخر بطور التدريب ولدينا خطين لاستقبال الحالات”.

ويكمن الهدف الرئيسي من نشر دليل إحالة النساء الناجيات من العنف، تطوير منظومة شاملة تستجيب لاحتياجات الناجيات من الاعتقال، فعادة ما تحتاج الناجية إلى خدمات عدة منها طبية أو دعم قانوني ونفسي أو بيوتاً آمنة لإعادة التأهيل والتمكين، وهذا ما يتجاوز قدرة منظمة واحدة على معالجتها، وبالتالي تتطلب الاستجابة لاحتياجاتهن الربط بين مقدمي الخدمات المختلفة لضمان الحصول على الخدمات اللازمة بطريقة آمنة وفعالة، وتستفيد النساء الناجيات من العنف وعائلاتهن من خدمات هذا الدليل، كما المنظمات العاملة مع هؤلاء الناجيات كونه يسهل الإحالة بين المنظمات المختلفة.

منظمة للناجيات

تأسست منظمة ناجيات سوريات عام 2017 من قبل عدد من الناجيات السوريات من المعتقلات، في مدينة شانلي أورفا التركية، حيث بدأن كمجموعة صغيرة من السوريات اللواتي خضن تجربة الاعتقال أو الاختفاء القسري، وتسعى هذه المجموعة إلى كشف الحقيقة وتحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وذلك من خلال استنهاض طاقات الناجيات من الاعتقال والاختفاء القسري وتمكينهن سياسيا ومجتمعيا وحقوقيا لمناهضة الاعتقال القسري للمرأة وتحقيق العدالة..

تقول حلا الحاج هزاع المدير التنفيذي للمنظمة وأحد مؤسسيها، “خاضت المجموعة تحديات وصعوبات كثيرة، وتمكنا في النهاية من الوصول لنقطة تشكيل جمعية مؤلفة من الناجيات أنفسهن متمكنات ليدافعوا عن حقوقهن والسير بآليات العدالة وتحقيقها، خطوة بخطوة، حتى استطعنا تشكيل جسم موجود في تركيا”.

وتنص المادة 9 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه “لا يجوز اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفا”، كما وتنص المادة 5 على أنه “لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطّة بالكرامة”.

شهادات ناجيات

تتحدث إيمان سعيد الدرام وهي إحدى الناجيات من معتقلات النظام، “منظمة ناجيات تمثلني كناجية خاضت تجربة الاعتقال وتسعى لمحاسبة الجناة ومرتكبي الانتهاكات وتحقيق العدالة وهي منظمة تجمع السيدات الناجيات والتي انبثقت أهدافها ورؤيتها من وحي معاناتهم”.

وأشارت إيمان إلى أنهن يسعين مع بقية الناجيات للتغلب على المعاناة والتمكين والاندماج في المجتمع، لتحقيق رؤيتهن ورسالتهن تجاه قضية الاعتقال والاختفاء القسري، مضيفة أنهن يعملن على التواصل المستمر مع سيدات ناجيات لهن نفس القضية ونفس الهدف والحصول على تدريبات وورشات عمل لزيادة الخبرات والمهارات.

تضيف آلاء مورللي وهي أيضاً ناجية سابقة من معتقلات الأسد، “في هذا المكان تشعر بالانتماء لعالم يشبه تفاصيلك كناجية من الاعتقال مع نساء عانين مثلك تماما، أهدافنا واحدة وطريقنا واحد في محاسبة الجناة والفاعلين، نسعى من خلال هذا المنظمة إلى تحقيق أهدافنا ورسالتنا حتى نثبت لبعض فئات المجتمع التي تنظر إلى الناجية على أنها غير قادرة وهي عبء ثقيل، إننا قادرون وفعّالات في المجتمع السوري، كما نسعى من خلال التدريبات وورشات العمل إلى تمكين خبراتنا وقدراتنا، للوصول بهذه المجموعة إلى المحافل الدولية ومحاسبة جميع الجناة”.

بالأرقام

بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فإن هناك ما لا يقل عــن 10556 أنثى لا تزلن قيــد الاعتقال أو الاختفاء القســري على يد أطراف النزاع فــي ســوريا منــذ آذار 2011 حتــى 25 تشــرين الثانــي 2020 َ يتوزعن على جميع الجهات المسيطرة على الأرض.

تحتاج الناجيات من الاعتقال إلى علاج نفسي مستمر وبيئة اجتماعية آمنة ومتفهمة، تعمل على تقديم كافة أشكال الدعم الممكن لتخليصهن من الإحساس بالذنب، وتمكينهن من الإشارة بإصبع الاتهام إلى المذنب ثانياً، ثم المطالبة بحقوقهن أمام القانون إذا كان ذلك متاحاً في الدول التي تحترم القانون وتهتم بحقوق الإنسان، وعندها فقط تطمئن الناجية إلى أن حقها في محاسبة الجاني لن يضيع، فتتخلص من العبء الثقيل والكثير من الألم.

‘‘تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “JHR”صحفيون من أجل حقوق الإنسان” بتمويل من برنامج عالم كندا Global Affairs Canada‘‘”.