اهتمام منقوص بالصحة النفسية للاجئات
دليل الإحالة خطوة على الطريق الصحيح

منصة عين

19\03\2021

نازك تلحوق

تعاني الكثير من السوريات المتضررات من النزاع مجموعة واسعة من مشاكل الصحة النفسية، سواء كانت موجودة مسبقًا قبل اللجوء والنزوح، أو اضطرابات جديدة ناجمة عن العنف المرتبط بالنزاع والنزوح والخسائر المتعددة وفقدان الأحبة والممتلكات، إضافة إلى القضايا المتعلقة بالتكيف مع الظروف المعيشية في بلدان اللجوء، وبعض الفئات من اللاجئات السوريات معرضات لخطر الاضطرابات النفسية أكثر من غيرهن، مثل الناجيات من العنف الجنسي أو العنف القائم على النوع الاجتماعي، وممن تعرضن للعنف والاستغلال.

لا اعرف أماكن العلاج

تعاني ريما. ن، ابنة ال15 عاماً من صدمة نفسية شديدة بعد مقتل عائلتها كاملة وبقائها ساعات تحت الركام قبل أن يجدها مسعفوا الدفاع المدني، تقول جدتها لأبيها أنها دائمة الخوف ولديها مشاكل في النوم، وأنها تطيل النظر إلى سقف الغرفة وتهذي بكلام غير مفهوم، لم تكن الجدة تؤمن بالعلاج النفسي، ولكن سوء حالة الفتاة جعلتها تحاول إيجاد العلاج بشتى السبل الممكنة.

تقول الجدة، قصدت أحد المشافي في تركيا ولم أستطع التواصل مع الطبيبة، بعدها لجأت لإحدى الجمعيات ولم أجد هذه الخدمة، ثم قصدت جمعية أخرى وقالوا إن خدماتهم لا تشمل العلاج النفسي أيضاً، فأعدتها للمنزل وهي على هذه الحال على الدوام، لا أعرف أماكن العلاج هنا أو إن كان العلاج سيساعدها أم أنها ستبقى هكذا بشكل دائم”.

 عوامل مؤثرة

هناك عوامل عدة تؤثر على وصول النساء إلى خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي في تركيا، بما في ذلك الحواجز اللغوية، ونقص المعرفة و الوصمة المرتبطة بالسعي للحصول على رعاية الصحة النفسية، أو عدم إيلاء الجمعيات المختصة بالمرأة الاهتمام الكافي بهذا الجانب.

والأمر نفسه ينطبق على السوريات في شمالي سوريا حيث الخدمات محدودة وهناك نقص بالمعرفة لدى اللاجئات بأماكن وخدمات هذه الجمعيات والمنظمات.

وفي تقرير صادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة، أفاد التقرير أنه من بين اللاجئات السوريات اللواتي يعشن في تركيا، لم يسمع 59٪ من النساء بخدمات الصحة النفسية المتاحة لهن.

وقدّم تقرير لجامعة كامبريدج البريطانية شرحاً مفصّلاً عن الصحة النفسية للاجئين السوريين، وأفاد التقرير أن أهم الاضطرابات النفسية التي يعانون منها، تشمل الحزن والأسى والخوف والإحباط والقلق والغضب واليأس، وفقدان السيطرة والعجز بالإضافة إلى الأعراض الجسدية مثل التعب ومشاكل النوم وفقدان الشهية والشكاوى الجسدية غير المبررة طبياً، إضافة إلى الكوابيس وذكريات الماضي وسلوك التجنب وفرط الإثارة، كما و تشمل المظاهر الاجتماعية والسلوكية للاضطرابات المرتبطة بالصدمات الانسحاب والعدوان والصعوبات الشخصية، وهذه الأعراض شائعة بين اللاجئين السوريين بحسب الدراسة، ومن الممكن أن تصل إلى حد الاضطراب العقلي إذا تضمنت مستويات عالية من المعاناة والضعف الوظيفي، ويشكل اللاجئون واللاجئات ذوو الاحتياجات الخاصة مجموعة أخرى ذات مستويات ضغط نفسي مرتفعة، إضافة الى المسنين والمسنات اللذين يواجهون أيضًا عزلة اجتماعية متزايدة ولديهم  اضطرابات نفسية أعلى بثلاث مرات من اللاجئين الآخرين.

 الوصول للخدمات

غالبًا ما يكون سياق تقديم الخدمة عاملاً مهمًا في قبول خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي، ويمكن أن تساعد البرامج النفسية الاجتماعية في زيادة الوصول وتقليل وصمة العار إذا تم توفيرها في أماكن غير نفسية، مثل العيادات الطبية العامة والمراكز المجتمعية والمجموعات النسائية والمساحات الصديقة للأطفال والمدارس وغيرها من الأماكن بحسب دراسة جامعة كامبريدج.

واقترحت الدراسة أن يؤدي دمج خدمات الصحة النفسية في الأنشطة الاجتماعية، مثل الرياضة أو في المراكز المجتمعية إلى لجوء النساء السوريات إليها دون خجل او خوف من الوصم.

وتؤكد الدراسة ذاتها أنه من الضروري أن تكون خدمات الدعم المختلفة مرتبطة وظيفيًا ضمن نظام متماسك مع آليات الإحالة، ومن الضروري أيضًا أن يكون ممارسو الرعاية الصحية العامة مستعدين جيدًا لتقييم وإدارة أي حالات تتعلق بالصحة العقلية بين السوريين المتضررين من النزاع.

دليل الإحالة

 وفي هذا السياق ، ونظراً لأهمية التوجه للمنظمات وإدراج هذه الخدمات ضمن برامجها وتعزيز طرق وصول المحتاجات لهذه الخدمات وإزالة مخاوفهن عبر التركيز على بناء الثقة والسرية واحترام الخصوصية، أصدرت شبكة المرأة السورية وبدعم من منظمة UN Woman ومنظمة دعم الشعب الياباني دليل إحالة للنساء الناجيات من العنف الذي  يغطي كافة جوانب العنف الممارس على النساء، و هو خطوة على الطريق الصحيح ، حيث يطرح الحلول ويوجه النساء المعنفات الى أماكن طلب المساعدة ومراكز الحماية، و يحتوي الدليل على معلومات وافية عن جمعيات الدعم والحماية في مدينتي عنتاب والباب وعناوينهم وأرقام التواصل، وهذا من شأنه أن يساعد النساء والفتيات اللواتي يعانين الاضطرابات النفسية على اللجوء إليها لطلب الخدمة والمساعدة عند  الحاجة.

 وتقدم هذه الجمعيات المتابعة النفسية والدعم القانوني والطبي وخدمات مختلفة ويتم التنسيق فيما بينها لتقديم أفضل خدمة ممكنة للنساء.

وحول الدليل تقول مديرة المشاريع في شبكة المرأة السورية معالم عبد الرزاق “نحن بالطور الأول لتأسيس قسم الحماية بالشبكة، لقد استغرق إنتاج الدليل خمسة أشهر من الجهد والعمل، وهدفه الرئيسي مساعدة النساء الناجيات والمعنفات ليوثق حالاتهن أولاً ثم إحالتهن لمراكز خدمية تقدم خدمات قانونية وقضائية ونفسية أو دمج مجتمعي أو تأسيس مشاريع، حالياً لدينا فريق كبير متدرب والبعض الآخر بطور التدريب ولدينا خطين لاستقبال الحالات”.

 وتشير عبد الرزاق إلى أن المستفيد الأكبر من الدليل هي المؤسسات والمنظمات العاملة مع النساء التي تضم ضمن مخططاتها بناء قسم حماية وفتح خط إحالة، بالإضافة إلى النساء المعنّفات والناجيات من العنف بشكل مباشر، لأنه يتضمن خارطة خدمات، ولفتت إلى أن كل المراكز التي يشملها الدليل هي مراكز تمت زيارتها من قبل شبكة المرأة السورية و تم تقييم الوضع والتأكد من أنها  تقدم هذه الخدمات فعلاً، وأكدت أن هناك مراكز أخرى تقدم خدمات مشابهة، “لكننا كنا حريصون على ذكر أسماء المراكز التي قمنا بزيارتها والتأكد منها”.

ومن ضمن الخطوات القادمة لشبكة المرأة السورية توسيع الخارطة لتضم مراكز أخرى إضافة إلى إنشاء نظام متابعة لهذه الحالات بحيث تتم متابعة الحالة المحولة والتأكد من وصولها وحصولها على الخدمة وتحويلها إلى خدمة أخرى في حال الحاجة لذلك، كأن تكون الحالة حصلت على خدمة قانونية، وستحول إلى الخدمة النفسية مثلاً، إضافة لمعرفة ومتابعة النتيجة النهائية لهذه الحالة.

أما عن كيفية ضمان وصول الدليل لأكبر نسبة من النساء تقول عبد الرزاق “نقوم حالياً بالتعريف بالدليل عبر جلسات تعريفية مع الشركاء والمنظمات الشريكة ومنظمة JHR، كما نقوم بتوزيع الأرقام مع فرقنا ومجموعاتنا، وقد بدأنا باستقبال حالات منذ الآن رغم أننا لا زلنا في الفترة الأولى من إطلاق الدليل وهذا دليل نجاح”.

ويكمن الهدف الرئيسي من نشر دليل إحالة النساء الناجيات من العنف، تطوير منظومة شاملة تستجيب لاحتياجات الناجيات، فعادة ما تحتاج الناجية إلى خدمات عدة منها طبية أو دعم قانوني ونفسي أو بيوتاً آمنة لإعادة التأهيل والتمكين، وهذا ما يتجاوز قدرة منظمة واحدة على معالجتها، وبالتالي تتطلب الاستجابة لاحتياجاتهن الربط بين مقدمي الخدمات المختلفة لضمان الحصول على الخدمات اللازمة بطريقة آمنة وفعالة، وتستفيد النساء الناجيات من العنف وعائلاتهن من خدمات هذا الدليل، كما المنظمات العاملة مع هؤلاء الناجيات كونه يسهل الإحالة بين المنظمات المختلفة.

بالأرقام

أفادت الغرفة الفيدرالية الألمانية للمعالجين النفسيين أن حوالي 50٪ من اللاجئين السوريين الذين يعيشون في ألمانيا يعانون من مشاكل نفسية، وبحسب إحصاءات الأمم المتحدة، فإن واحداً من بين كل أربعة لاجئين سوريين في الاْردن يعاني مشاكل نفسية، وحوالي نصف السوريين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة.

وفي تقرير صادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة أفاد أنه من بين اللاجئات السوريات اللواتي يعشن في تركيا، لم يسمَع 59٪ من المشاركين في الاستبيان الذي صدر عنه التقرير بخدمات الصحة النفسية المتاحة لهن.

وبحسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية، لم يكن في سوريا عامةً قبل 2011 سوى 70 طبيباً نفسياً فقط، بالإضافة لعدد قليل جداً من الأخصائيين النفسيين.

وأثناء سنين الحرب، هاجر نصفهم تقريباً، وهو ما لا يتناسب إطلاقاً مع عدد السكان الذي يقدّر بـ25 مليون نسمة.

وفي إدلب، حيث يملأها النازحون ويصل تعدادها ل 4 ملايين نسمة، لا يوجد سوى طبيب نفسي واحد مختص، يعمل على تقديم خدماته من خلال مركز الدعم النفسي الوحيد هناك.

يصف الطبيب النفسي السوري خلدون المحلي المقيم في تركيا، الوضع الحالي للسوريين بـ”المأساوي”، حيث أن الاحتياجات تفوق الإمكانيات بأضعاف، “هناك فجوة كبيرة في الخدمات النفسية المقدمة لجميع السوريين داخل سوريا وخارجها، والحاجة كبيرة جداً لملء هذه الفجوة، إلا أن الإمكانيات ضعيفة جداً في ظل التوجه نحو الأعمال الإغاثية والإنسانية، وأعتقد بوجود تقصير كبير من المنظمات الدولية في التدخل بموضوع الدعم النفسي، الإحصائيات اليوم تشير إلى نسب مرتفعة جداً من الأمراض النفسية لدى السوريين، تقدّر بـ 73% من عدد السكّان”.

وشكّل الأطفال نسبة كبيرة من المرضى النفسيين، بسبب ضعف بنيتهم وخوفهم وتوترهم، وبحسب دراسة لمنظمة الصحة العالمية، تشر التقديرات إلى أن أكثر من نصف السوريين بحاجة إلى خدمات الصحة العقلية والدعم النفسي والاجتماعي، وأن طفلًا واحدًا من بين كل أربعة أطفال معرض لخطر الإصابة باضطراب الصحة العقلية.

كما أظهرت دراسة أجرتها جامعة مرمرة في اسطنبول أن 60% من أطفال اللاجئين السوريين في تركيا يعانون أمراضًا نفسية.

أما اللاجئون السوريون، والذين اقتربت أعدادهم من أربعة ملايين، فقد أظهرت الدراسة إلى أن نصفهم يعانون من اضطرابات نفسية.

إلا أن غالبية السوريين الذين يعايشون الأمراض والأزمات النفسية، أشارت الدراسة إلى أنهم لا يصلون إلى الخدمات النفسية، بسبب عائق اللغة وأسباب أخرى.

كما وتنص المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه “لكل شخص حق في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصة على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية، وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه.

إن حجم الضغوط النفسية من شأنها أن تؤثر على الصحة العقلية للاجئات، وتزيد من حالات الأمراض العقلية والنفسية وما ينتج عنها من مشكلات مجتمعية كالعنف والجريمة والانتحار، في حال لم يتم التعامل معها ومقاربتها بالشكل الصحيح وإعطائها الأهمية اللازمة من قبل الجمعيات المعنية، ونأمل أن يكون دليل إحالة النساء الناجيات من العنف مصدر معلومات للنساء وخطوة على الطريق الصحيح.

‘‘تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “JHR”صحفيون من أجل حقوق الإنسان” بتمويل من برنامج عالم كندا Global Affairs Canada‘‘”.