لاجئات سوريات وحيدات ينجحن بإعالة عائلاتهن

منصة عين

نازك تلحوق

8 – 03 – 2021

تمسك دلال اللاجئة السورية في تركيا بيد ابن أخيها ربيع ذو التسعة أعوام، ويتبادلان ابتسامة خاطفة، ويهرولان للخروج من مكان عملها في مدينة غازي عنتاب، اليوم حصلت دلال على راتبها الشهري وهو أول راتب ثابت تحصل عليه بعد أن كانت تعمل بشكل متقطع وبراتب زهيد، وقد وعدت ابن أخيها بثياب جديدة وبعض الحلوى.

تعيل دلال بمفردها عائلتها المكونة من ثلاثة أطفال، بعد فقدانها لزوجها المختفي قسرياً، إضافة إلى ابن أخيها ربيع الذي يرافقها أحيانا إلى الشركة حيث تعمل، إذ تقوم هناك بأعمال

إدارية وينتظرها ربيع ريثما تنتهي من عملها.

توفي والدا ربيع في القصف على ريف دمشق وتحمّلت العمّة دلال مسؤولية الاعتناء به، وتكفّلت به وضمّته إلى أبنائها كفرد من العائلة، وبحسب دلال، يعاني ربيع من صدمة وحالة نفسية، إذ شاهد أمه تموت أمام عينيه ولم تستطع تركه لوحده.

وتضيف دلال، “كانت لدينا أملاك وأراضي وتم تهجيرنا إلى بلاد لا نعرف فيها أحد، ووقعت على عاتقي مسؤولية الأسرة، بعد اختفاء زوجي، ولم يكن أمامي حل سوى البحث عن عمل وإعالة أسرتي، “كنت أعمل مقابل ساعات طوال للحصول على راتب لا يكفي لشراء الطعام ودفع إيجار غرفة مشتركة، وكنا نقتصد في الوجبات ونتشارك السكن، ولكنني لم أستسلم، وتنقّلت بين الكثير من الأعمال، حتى وجدت عملاَ جيداً براتب شهري ثابت”.

في يوم المرأة العالمي وبينما يحتفل العالم في الثامن من آذار بالمرأة وإنجازاتها وقدرتها على التغيير وتحدي الظروف، كان لا بد من التذكير بدور المرأة السورية القوية والجهود الجبارة التي تقوم بها لإعالة عائلة فقدت معيلها، متحدية كل الظروف، فعلى الرغم من أن المرأة تعتبر الحلقة الأضعف في الحروب، نجد أن المرأة السورية مكافحة قوية وصابرة، وفي الكثير من الحالات هي القائدة الوحيدة لعائلتها، وتقدم الرعاية الروحية والنفسية والمادية لهم، وهي أمل أطفالها الوحيد للبقاء على قيد الحياة.

تعرضت المرأة السورية لانتكاسات صعبة أثقلت حملها على مدار السنوات العشر الماضية، مع فقدان المنزل والمعيل من أب أو زوج أو أبناء، مروراً بالتشرد والنزوح ووصولاً إلى العمل في ظروف قاسية، إذ تزايدت نسب النساء السوريات المعيلات بحسب تقرير لمفوضية اللاجئين صادر عام 2014، حيث بلغت نسبتهن 25% من اللاجئات السوريات في ذلك الوقت ثم ارتفعت هذه النسبة حتى يومنا هذا، إذ تشير دراسة أممية حديثة تتعلق بأوضاع النساء في تركيا أن النساء يرأسن 60% من أسر اللاجئين السوريين في تركيا، كما تتحملن أيضاً مسؤولية رعاية أطفالهن وأفراد الأسرة الآخرين.

وفي ذات السياق، أكد تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الصادر عام 2019، أن النزاع المسلح فرضَ على السوريات تغييراً ثقيلاً، فقد تسبَّبت الحصيلة المرتفعة للقتلى والمختفين في انتقال عبء إضافي إلى المرأة، حيث ارتفعت نسبة الأُسر التي تُعيلها السيدات، وبالتالي لعبت السيدات دوراً جديداً يُضاف إلى أدوارهنَّ الاعتيادية، وخضعن إلى ظروف مركَّبة يصعب التأقلم معها؛ لأنها تفوق في كثير من الأحيان قدراتهن وإمكاناتهن المادية والمعنوية.

بينما أشارت بيانات البنك الدولي إلى أنه بين عامي 2009 و2015، ارتفعت حصة الأسر التي تعولها نساء سوريات من 4.4٪ إلى 12-17٪، وأشارت إحصائيات منظمةcare international الصادرة في العام الفائت، إلى أن الأسر التي تعولها نساء بين عائلات اللاجئين في الأردن وصلت نسبتها إلى 40%، وفي لبنان وصلت نسبتهن إلى 17%.

وبحسب دراسة موقع indicator، فإن 32% من العائلات السورية في تركيا تقودها نساء.

وعلى الرغم من الظروف الصعبة التي واجهت اللاجئات السوريات، إلا أنهن كنّ نموذجاً في المكافحة والتحدي، تُدير سلمى اللاجئة السورية المقيمة في مدينة إسطنبول مشغلاً للخياطة، واستلمت إدارته بعد أن كانت موظفة فيه، وبعد أن أثبتت كفاءتها في العمل والتزامها به، تقول سلمى، “كان التزامي في عملي معياراً كبيراً لنجاحي، وتطوير منصبي الوظيفي، أشعر اليوم بالاستقرار ولا عوائق أمامي الآن فأنا أعيل عائلتي وأساعد والداي”.

تحديات ومعوقات
تواجه اللاجئات المعيلات في تركيا تحديات كبيرة في قطاع العمل، كمحدودية الفرص وصعوبة الوصول إلى الخدمات المختلفة نظراً لحاجز اللغة، وضعف المعرفة بالإجراءات البيروقراطية المعقدة المطلوبة، بالإضافة لموقف المجتمع المضيف، مثل ظهور بعض المواقف العنصرية ضد اللاجئات السوريات، إضافة إلى بعض محاولات الاستغلال الجنسي، حيث اشتكت بعض النساء من التعرض للتحرش الجنسي بمستويات مختلفة.

وفي دراسة لموقع indicator، أشارت إلى المعوقات التي تواجه النساء السوريات في العمل في تركيا، إذ بيّنت الدراسة أنّ مسؤولية رعاية الأطفال تعتبر العائق الأكبر لهؤلاء النساء، فيما شكّل حاجز اللغة ما نسبته 17% من العوائق، وشكّل عدم امتلاك المهارات نسبة 17% أيضاً.

وبحسب دراسة أجراها برنامج الغذاء العالمي والهلال الأحمر التركي عام 2019، فإن معظم العمالة النسائية السورية في تركيا هي من فئة العمالة غير المهرة والعمالة الموسمية والعاملات في الخياطة، وتبلغ نسبة الموظفات منهن 6% من العمالة المهرة.

وأشارت الدراسة ذاتها إلى أنه لم تتلق 86% من اللاجئات السوريات في تركيا أي تدريب منذ قدومهن إلى البلاد، وتلقت 14% من اللاجئات السوريات تدريبات في اللغة التركية، 2% تدريبات في اللغة الإنكليزية، 1% تدريبات مهنية، وتوزعت نسب مقدمي التدريبات على الشكل التالي، 59% تدريبات مقدّمة من الحكومة التركية، 19% منظمات مجتمع مدني، 8% الهلال الأحمر التركي.

اضطرار وإرادة

تواجه اللاجئات المعيلات ضغوطاً يومية، من أجل كسب العيش وتأمين احتياجات عائلاتهن من غذاء ومأوى، ومع صعوبة الحصول على فرص عمل، اضطرت الكثيرات إلى العمل في اقتصاد الظل، أو الاقتصاد غير الرسمي بشروط غير عادلة، كساعات عمل طويلة وأجور متدنية، كما تعتمد النساء المعيلات أساليب وطرق متنوعة، مثل المشاريع المنزلية كالطبخ وتأمين طلبات الطعام أو العمل في تصفيف الشعر في المنزل، والعمل بوظائف غير رسمية كأعمال التنظيف، ونظراً لأن أغلب المعيلات ينتمين لفئة العمالة غير الماهرة، لذا فإن العمل في المنزل هو خيار الكثير من النساء، حيث يعملن بالقطعة لصالح ورشات الخياطة، وهو عمل لا يحتاج للخبرة أو اللغة، وهو يناسب النساء اللواتي لديهن أطفال، كما تعمل اللاجئات السوريات المعيلات في تركيا في ورشات الخياطة وتوابعها وهي الأكثر رواجاً.

المحامي السوري محمد خشروم أشار إلى أن المرأة السورية اضطرت للدخول في سوق العمل منذ بداية الحرب في سورية، وكان دخولها إرادياً أحياناً نابعاً من حرمانها في حقها في العمل في بعض المجتمعات الريفية السورية، وأحياناً أخرى كان اضطرارياً كونها أصبحت وحيدة وتحتاج إعالة نفسها وعائلتها، بحسب المحامي خشروم.

يضيف المحامي، “بالنظر لواقع النساء السوريات المعيلات نجد أن الشريحة الأوسع من هذه الفئة لا تمتلك مهارات تؤهلها لكسب العيش، فالمستوى التعليمي لمعظمهن هو مرحلة التعليم الابتدائية أو الأمية، بينما نسبة من حصلن على الشهادات الجامعية لا تشكل نسبة كبيرة منهن، إلا أن ذلك لم يقف عائقاً أمامهن، واستطعن الخروج من عباءة البقاء في المنزل وشهدنا على نجاحهن في مناسبات عدة، وبرغم ذلك، لا زالت مجتمعاتنا العربية وبالأخص السورية تحارب عمل المرأة في الكثير من الأحيان، وتأتينا قضايا كثيرة لنساء تعانين من العنف المنزلي والحرمان من الكثير من حقوقهن”.

تحديات قائمة على النوع الاجتماعي

تواجه النساء السوريات المعيلات، تحديات اللجوء مثل بقية السوريات، لكن النساء المعيلات يواجهن تحديات خاصة، بسبب النوع الاجتماعي، حيث يضطلعن بأدوار مضاعفة، من أعباء المنزل والرعاية، بالإضافة لدورهن الجديد في إعالة الأسرة معيشياً، وبالنظر للخلفية الثقافية الاجتماعية للمعيلات المتمثلة بالمجتمع الأبوي، الذي يعطي السلطة المطلقة للرجال في مناحي الحياة المختلفة، مما جعل الكثير من المعيلات يعانين من نظرة المجتمع لهن، بسبب خروجهن من المنزل والاحتكاك بالرجال، حيث ترزح المرأة المعيلة تحت ضغط عائلتها، وفي أوقات كثيرة تتدخل العائلة  لمنعها من العمل، دون  تقديم العون اللازم لها.

إذ أكّدت دلال أنها حورِبت من قبل عائلتها عند بداية عملها، وأصرّ أخاها للذهاب معها إلى مكان عملها في كثير من الأحيان، إلا أن ذلك لم يثنيها عن القيام بواجباتها تجاه أطفالها، تقول دلال، “لم يكن لدي خيار آخر، برغم محاربة مجتمعي لي، إلا أن هناك نساء كثر يعملن اليوم، وأعلم أن ذلك ليس من عاداتنا، إلا أنني أشعر الآن بأنني منتجة وأقوم بعملي على أكمل وجه، وأنا راضية بما أعمل”.

وتواجه النساء المعيلات ضغوطاً نفسية عديدة، حيث يشير الخبراء في علم النفس إلى أن المرأة المعيلة هي عرضة أكثر من غيرها للضغوط النفسية، الأمر الذي يضعف قدرتها على التكيف، وتنتشر بين النساء اللاجئات المعيلات أمراض نفسية مثل الاكتئاب والقلق، أكثر من غيرهن من النساء غير المعيلات.

دور جمعيات الدعم والتمكين

لطالما كانت مطالب السيدة السورية سابقا هي وصولها إلى مختلف المجالات بالحياة العامة، والإصرار على تحدي جميع المعيقات التي تقف أمام وجودها في كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وفي أحيان كثيرة تضطر النساء المعيلات للتكيف مع الظروف الاقتصادية إلى تقليل النفقات للحد الأدنى، من خلال تقليل عدد وجبات الطعام أو التقليل من نوعية الطعام، ولمواجهة غلاء ايجارات السكن تضطر الكثير من الأسر للإقامة في مساكن تفتقر للحد الأدنى من الشروط الصحية، أغلب اللاجئات يشعرن بالخوف من المستقبل المعيشي ويرافقهن هاجس عدم الاستقرار، الذي يزيد من صعوبة التخطيط للمستقبل.

 نور زيدان المسؤولة في مؤسسة صدى المجتمع المدني التابعة لمنظومة وطن، أشارت بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، إلى أن شعار “اختاري التحدي” الذي تم وضعه هذا العام، لن يناسب السيدة السورية، لأن التحديات في سوريا هي من تختار سيداتها، بحسب تعبيرها.

وأضافت، لا نريد تحميل المرأة بالإضافة للمجتمع أكثر مما تحملته في العام المنصرم٢٠٢٠ والذي صنف كأكثر عام كارثي في التاريخ، ورغم صمودها وإصرارها على كسب التحدي مع الأوضاع على كافة الأصعدة، إلا أن المؤشرات الحالية تظهر تدنياً بل تراجعاً حادّاً لمشاركة المرأة السياسية، بل أيضا زاد العنف عليها خلال فترة الجائحة إلى أضعاف الأرقام مقارنة بالسنوات الماضية”.

تعد النساء المعيلات أكثر الفئات احتياجاً للدعم والمساندة، لذا لابد من دعم النساء في الدخول لسوق العمل من خلال توفير فرص التدريب والتأهيل، وإقامة برامج دعم فئة النساء المعيلات للحصول على مساعدات مادية، وتيسير فرص التعليم لأولادهن، وتزويدهن بالمشورة المناسبة للمشكلات الاجتماعية والنفسية، وتنمية إمكانات النساء ليتمكن من الخروج من دائرة الفقر.

وتنص المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه “لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كافٍ للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية، وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة، وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمّل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته”.

ناجحات وملهمات

لم تقف حياة اللجوء عائقاً أمام النساء السوريات، فهناك من برزن في دول اللجوء وتحدثت عنهن وسائل الإعلام المختلفة، وكرّمت صحف عالمية نساء سوريات لدورهن الفعال في خدمة المجتمعات المضيفة، وتفوقت العديد الفتيات السوريات في المدارس التابعة للبلدان التي لجأن إليها.

وتصدّرت ثلاث نساء سوريات قائمة BBC لأكثر 100 امرأة ملهمة حول العالم، والسيدات السوريّات اللواتي وجدت BBC أنهنّ قدنَ التغيير وأحدثن فرقاً هن، عالمة الفيروسات النباتية صفاء قمري، والمخرجة وعد الخطيب، ورسّامة كتب الأطفال نادين كعدان.

المخرجة السورية وعد الخطيب

كذلك منح المجلس الأوروبي الطبيبة السورية أماني بالور، جائزة “والنبيري” لعام 2020، لدورها الكبير في إنقاذ الجرحى خلال سنوات الحرب في سوريا.

الطبيبة السورية أماني بالور أثناء تكريمها في مهرجان الأوسكار العالمي

وكرّمت الناشطة السورية، آمنة خولاني، العضو المؤسس في جمعية “عائلات من أجل الحرية”، ومُنحَت لها “الجائزة الدولية للمرأة الشجاعة”، لتكون خامس امرأة سورية تنال الجائزة منذ عام 2010.

الناشطة السورية آمنة خولاني

كما منحت ألمانيا الناشطة السورية الشابة مزون المليحان، جائزة “دريسدن” للسلام، وذلك لجهودها وسعيها من أجل البحث عن فرص لتعليم الأطفال والشباب، ولا سيما اللاجئين منهم.

وتناولت الصحف هذا العام الطبيبة السورية “مروة ملحيس” التي تمكنت من تطوير مادة قد تستخدم في علاج مرض الزهايمر الذي يصيب كبار السن، وهي تعمل في مختبر التحليلات الحيوية في جامعة كوبورغ الألمانية التابعة لمقاطعة بافاريا.

الطبيبة السورية مروى ملحيس

وفي التعليم تفوقت الطالبة السورية ربا أبو صالح على أقرانها الأتراك بعد تخرجها من جامعتين بمرتبة شرف.

الطالبة السورية ربا أبو صالح – تركيا

وحصلت الطالبة السورية سارة أحمد عطري على المرتبة الأولى في الثانوية العامة في الأردن، متفوقة على جميع أقرانها بمعدل 98,9%.

الطالبة السورية سارة أحمد عطري – الأردن

لم تلقَ ظاهرة المرأة المعيلة العناية اللازمة لجهة تسليط الضوء عليها، أو وضع دراسات لتحديد احتياجاتها الفعلية، كما أن معايير المساعدات المقدّمة لم تراعِ الحساسية الجندرية والثقافية لهذه الفئة، إذ وجدت المرأة السورية نفسها في مواجهة مسؤوليات جديدة، أجبرتها على خوض صراع يومي بمفردها للبقاء وعائلتها على قيد الحياة، في واقع فُرِضَ عليها فرضاً فصمدت أمامه بشجاعة، وأصبحت الناشطة والمعلمة والعاملة والقائدة والطبيبة والأم، وفي يومها “يوم المرأة العالمي” الذي يصادف الثامن من آذار من كل عام، والذي حمل شعار# اختاري-التحدي لهذا العام، يتّضح أنه شعار لطالما حملته المرأة السورية خلال سنوات الحرب العشرة.

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “JHR”صحفيون من أجل حقوق الإنسان” بتمويل من برنامج عالم كندا Global Affaris Canada