المعلمون السوريون في تركيا… دمج بمعايير جديدة

منصة عين

رهام المشهور

2 – 3 – 2021

منذ مطلع تشرين الأول الماضي، نشرت العديد من وسائل الإعلام خبراً مفاده أن المعلمين السوريين اللذين يدرّسون في المدارس التركية ومراكز التعليم المؤقت سيتم فصلهم بسبب المعايير الجديدة التي وضعتها وزارة التربية التركية، ونشرت أن العديد من المعلمين قد تم تسريحهم من عملهم على إثر هذا القرار، إلا أننا بعد تقصينا للقرار والتواصل مع بعض الجهات المسؤولة، تبيّن لنا أن من تم فصلهم من المدرّسين وصل عددهم ل60 مدرّساً، جميعهم تم فصلهم لأسباب أمنية متعلّقة بمخالفات قانونية وبعضها متعلّق بتزوير الأوراق الرسميّة، بحسب جلال ديمير عضو اللجنة السورية التركية المشتركة، وسينتهي مشروع اليونيسيف الذي يدعم المعلمين السوريين منتصف العام الحالي، بينما لم يصدر أي تصريح رسمي عن وزارة التربية التركية.

معلم سوري في إحدى مدارس السوريين بمدينة هاتاي في تركيا – 2018 (الأناضول)

المعايير الجديدة التي وضعتها وزارة التربية التركية بهدف دمج مراكز التعليم المؤقت بالمدارس التركية، لا تتناسب مع عدد كبير من المعلمين السوريين، إذ إن انتهاء مشروع اليونيسيف وانتقال المدرّسين السوريين للعمل بشكل رسمي في المدارس التركية، سيضعهم أمام الالتزام بالمعايير الخاصة بالمدرّسين الأتراك، إذ ستنطبق عليهم المعايير ذاتها المنطبقة على المعلّمين الأتراك، وهذا ما سبب الخوف لدى عدد كبير منهم واعتبروا أنهم سيفصلون لأنهم لا يمتلكون كافة المعايير المطلوبة منهم.

يبلغ عدد المعلمين السوريين في تركيا 12.350 معلماً، بينهم أكثر من 5000 معلم من حملة شهادات المعاهد المتوسطة والثانوية العامة، فيما يزيد عدد التلاميذ السوريين عن 78 ألفاً، يتعلمون في المدارس التركية الحكومية مجاناً، وكانت عملية الدمج التدريجي التي استمرت خمس سنوات تقضي بإغلاق مراكز التعليم المؤقتة على أن يتحول جميع الطلاب السوريين للمدارس التركية منذ مطلع العام الدراسي الحالي.

ووفق إحصاء من مختلف الولايات التركية يبلغ عدد المعلمين السوريين من حملة المعاهد المتوسطة والثانوية العامة أكثر من 5000 معلم، وجميعهم سيخضعون للمعايير الجديدة بعد انتهاء عقودهم في أيار 2021.

وكانت اليونيسف وقّعتْ عقداً مع الحكومة التركية يقضي بدفع أجور المدرّسين السوريين في تركيا، إذ يحصل المدرّس السوري المتطوع على 2020 ليرة تركية شهريًا، ولا يعتبر راتباً رسمياً، إلا أنه مكافأة شهرية يحصل عليها المدرّسون، هو الحد الأدنى للأجور المتعارف عليه في تركيا.

معايير جديدة

تسير عمليات الدمج حالياً ضمن مشروع “PIKTES” التركي، ووفق المشروع تكون تبعية المعلمين السوريين في تركيا قد نقلت من “يونيسيف” إلى “التربية التركية”، وهو مشروع تعليمي كانت وزارة التعليم التركية قد أطلقته مؤخراَ، ويستهدف الطلاب المقيمين تحت الحماية المؤقتة، بهدف الإسهام في حصولهم على التعليم في تركيا، وتغطى ميزانيته من قبل الاتحاد الأوروبي.

وأشارت مسؤولة قسم التواصل لدى  اليونيسف في تركيا سيما هوستا  في تصريح لها لموقع الحرّة، أنه ومع اكتمال إغلاق مراكز التعليم المؤقتة بحلول بداية العام الدراسي 2020-2021 ، دخل برنامج دعم التعليم التطوعي مرحلة انتقالية من أجل التأقلم مع السياقات والمتطلبات الجديدة بناء على قرار من وزارة التعليم الوطني التركية،  وأضافت “منذ بداية فبراير 2021 تم تخفيض عدد المدرسين المتطوعين في البرنامج بناء على معيارين حددتهما وزارة التعليم التركية”، المعيار الأول هو أن يكون المدرس السوري “المتطوع” حاصلا على شهادة البكالوريوس، بينما يرتبط المعيار الثاني بحصول المدرس على مستوى A2 في اللغة التركية”.

وأوضحت هوستا أن المعلمين الذين سيتم إخراجهم من برنامج “التعليم التطوعي” في شهر فبراير 2021 وما بعده سيتم تزويدهم بحزمة “دعم انتقالي”، بما فيها الاستشارات المهنية والتدريب.

بداية التطوع

بدأت ظاهرة التعليم التطوعي للسوريين في تركيا منذ العام 2014 داخل المخيمات، وفي البداية عمل عدد من المعلمين السوريين بدون عائد مادي، بعدها بدأت بعض الجمعيات والمنظمات بافتتاح المدارس ضمن الولايات الكبرى بدءاً من العام  2015، بعضها كان مقابل مادي يدفعه الطلاب السوريين، وبعضها الآخر مجاني، ثم تكفّلت منظمة رعاية الطفولة بالأمم  المتحدة برواتب المعلمين في المدارس الموجودة بالمخيمات، إذ قامت بتقديم دعم بقيمة 500 ليرة تركية للمتطوع، ثم توالت  الزيادة على المبلغ لتصل إلى 900 ليرة تركية، وفي وقت لاحق بدأت اليونيسيف تتوسع في الدعم لتشمل كل المدارس السورية خارج المخيمات وذلك بالتنسيق مع التربية التركية، ووصلت الرواتب بعد ذلك للحد الأدنى للأجور في تركيا وهو 2020 ليرة تركية.

و بلغ عدد المعلمين المتطوعين الموزعين في بداية العملية 13 ألف مدرس عام 2017، من حملة الشهادات المتوسطة و الثانوية والجامعية، وبعضهم يحمل شهادات الماجستير والدكتوراه، وتناقص عددهم ليصل إلى حوالي 12 ألفاً، بعد أن أنهى بعض المعلمين عملهم نتيجة السفر أو الانتقال لعمل آخر.

المدرّس عصام كيالي أحد المدرسين المتطوعين في المدارس التركية أشار إلى أنه لم يتم فصل إلا بعض المدرسين لأسباب أمنية، أما عملية الاستغناء عن المعلمين لم تحصل حتى الآن، وأضاف المدرّس كيالي، “كما تم وعدنا من بعض الجهات الرسمية بأنه لن يكون هناك فصل لأي مدرس حتى نهاية العقود في شهر أيار 2021، كل أحاديث الفصل سمعنا بها ولم يصدر عن أي شخص أو مسؤول في اليونيسيف أو في التربية التركية بقرار فصل أي مدرس.

وأشار المدرّس عصام كيالي إلى أنه تم دمج مراكز التعليم المؤقتة بمدارس الأتراك ولم يتم إلغاؤها، وأوضح أن لهذا الأمر بعض الإيجابيات وبعض السلبيات، “يعني لو أنه تم ذلك مع بداية قدومنا كمدرسين إلى تركيا، كنا خضعنا لدورات تعليم لغة تركية مكثفة، وكان الأمر أفضل من الآن، كما أنه هناك دورتين رئيسيتين في المناهج من قبل اليونيسيف أشرفت عليها وزارة التربية التركية وتم إخضاع جميع المدرسين لهذه الدورات”.

وأضاف المدرّس، “ورد إلى مديريات التربية فقط تصنيف المعلمين المتطوعين لدى اليونيسيف وكل حسب اختصاصه، ليس هناك شيء واضح حتى الآن، ولكن وصلنا إشعار أنه من لا يتقن المستوى الثاني من اللغة التركية هناك احتمال لفصله”.

وأشار المدرّس إلى أن هناك تقصير أيضاً من بعض المدرّسين السوريين في إتقانهم للغة التركية، إذ قال، “يقولون لنا أنه أصبح البعض منا مواطنون أتراك ولا نعرف التكلم باللغة التركية ويطلبون منا تعلمها حتى يتم الاندماج بشكل كامل”.

وطالب المدرّس كيالي الجميع بعدم تناقل الأخبار دون التأكد من صحتها، وقال في حديثه، “الرجاء من جميع المعلمين والمدرسين أن يلتزموا الحياد في نقل الأخبار، لأن هناك الكثير ممن يتربصون في نقل الأخبار المغلوطة، وبعضهم يخترع الحجج والأخبار الكاذبة غير الدقيقة، بمجرد أن سمعوا بكلام الفصل الذي لم يتم تطبيقه حتى الآن”.

قانونياً

القانوني السوري مصطفى حمادي أشار إلى أن هناك معايير جديدة وضعتها وزارة التربية التركية في اختيارها للمدرسين، وسيتم إخضاع هؤلاء المدرسين للمعايير الجديدة، وأضاف حمادي، “المعلمون عملوا في مراكز التعليم المؤقتة وهو مشروع مشترك تركي وأممي وتمويله من اليونيسيف وكان وضعها مؤقت، وبعد دمج مراكز التعليم المؤقت بالمدارس التركية أصبح لازماً على المدرسين أن يخضعوا لمعايير المدرسين الأتراك، الحل سابقاً كان صير المدى، وعندما رأت وزارة التربية أن الحل في سوريا بعيد، كان يجب ذلك لأن المرحلة طويلة جدا وهذا أفضل للطلاب في الجامعات والمدارس”.

أمّا المدرّس عصام كيالي أشار إلى أنه يحق لأي منظمة أو جهة رسمية أن تختار الأشخاص بحسب الشروط والمعايير التي تضعها، فإن رأت اليونيسيف أو وزارة التربية التركية أنه يجب الاحتفاظ بالمدرسين، فهذا الأمر قانوني مئة بالمئة، ولا يوجد أي مانع قانوني بإلزامهم بالمحافظة عليهم”، بحسب المدرّس.

نظام svep

بدأ التعليم التطوعي للمعلمين السوريين بنظام (svep)، في نوفمبر 2014، والذي جاء في ذلك الوقت بشراكة بين اليونيسيف ووزارة التربية في تركيا ومكتب البريد التركي (ptt).

وتم اختيار المعلمين الذين انضموا إلى برنامج التعليم التطوعي والإشراف عليهم من قبل وزارة التعليم التركية، كما تم تقديم حوافز شهرية لهم من خلال هذا البرنامج أيضاَ، وبحسب مسؤولة التواصل في اليونيسف سيما هوستا: “ابتداءً من منتصف عام 2016 بدأت وزارة التعليم التركية عملية إغلاق مراكز التعليم المؤقتة تدريجيا واتجهت لدمج الأطفال السوريين في المدارس الحكومية التركية (TPSs).

وبعد ذلك أتبع برنامج التعليم التطوعي إلى المدارس الحكومية التركية، والمؤسسات التعليمية الأخرى في البلاد، بما في ذلك مراكز التعليم العام (PECs)، ومراكز البحوث الاستشارية (RAMs)، ومراكز التعليم المهني (VECs).

وتوضح المسؤولة، “لقد كان برنامج التعليم التطوعي (SVEP) مكوناً حاسماً في استجابة اليونيسف التعليمية الشاملة في تركيا، وقد أثبت أنه آلية دعم فعالة شجعت على الالتحاق واستدامة الاحتفاظ بأكثر من 768000 طفل سوري في التعليم الرسمي”.

وفي حديث أجرته منصة عين مع إحدى المعلمات اللواتي تنطبق عليهم الشروط وسيتم تجديد عقودهم، أشارت المدرّسة إلى صعوبة العمل تحت مسمى متطوع، إلا أنها في النهاية تبقى متطوعة وليست موظفة رسميّة، تقول المعلّمة ر.ع “رفضت ذكر اسمها”، ” نحن نعمل تحت مسمى متطوعين بأجور رمزية وتصر الجهات المشغلة لنا على مسمى متطوع، كي لا يتم التعامل معنا على أننا معلمين لنا حقوق كالمعلمين الأتراك، وبسبب هذا المسمى لا يمكننا المطالبة بتأمين صحي ولا إذن عمل، حتى الاجازات ليس لدينا الحق بها، ولا حق التنقل بين المدارس”.

وتضيف المدرّسة، “أثناء الدمج قابلنا معلمين أتراك وقعوا عقوداً مع اليونيسيف ولكنها تختلف عن عقودنا فهم يعملون تحت مسمى معلم لهم تأمين ويطبق عليهم قانون العمل التركي، المعلم السوري تائه اليوم، ولا يتم التعامل معه على أنه موظف، وليس لديه جهة يلجأ إليها”.

ورأت المعلّمة أن شرط مستوى اللغة أمر طبيعي لحاجة للتواصل مع المحيط  سواء للمعلم أو أي شخص موجود ضمن الاراضي التركية، أما عن شرط توافر الشهادة الجامعية تقول المعلمة، “برأيي الشرط ليس منصفاً، على الرغم من كوني من حملة الشهادة الجامعية، لكن هنالك الكثير من خريجي المعاهد لديهم خبرة بالتدريس والتعامل مع الطلاب، وهذا فيه ظلم لهم، في المقابل هناك أشخاص كثر من حملة  الشهادة الجامعية ولكن اختصاصهم  بعيد عن التدريس ويحققون الشرط، بالإضافة إلى أنه مصدر الرزق الوحيد  لكثير من المتطوعين الذين لا يملكون الخبرة غير التعليم.

 وعن الأجور قالت المدرّسة، “إن أجر المتطوع هو الأدنى في تركيا والسبب هو ضعف التمويل لدى اليونيسيف، وللأسف لا يوجد أي إجراء يمكن للمعلم أن يتخذه ليحسّن من أجره إلا أن يجد عملاً إضافياً إلى جانب مهنة التعليم، والمؤسف أن الأجر ليس له علاقة بالجهد أو الدوام، فهناك متطوعون يحصلون على أجرهم حتى ولو لم يلتزموا بالدوام، فالرواتب تقدّم لنا مثل منحة من اليونيسيف”.

لا خطة للفصل قبل انتهاء العقد

عضو اللجنة السورية التركية المشتركة، جلال ديمير أشار إلى أن “هناك تضخيم وخلط بين المفصولين منذ سنوات وأولئك الذين يتم إنهاء عقودهم اليوم، إذ تمّ التأكد من أن المفصولين سابقاً قد ارتكبوا مخالفات وتزويرا وأقروا بالأمر، ولم يعلن عن أسمائهم كمزورين بناء على العقد الأخلاقي الموقع معهم في ذلك الوقت”.

وأوضح ديمير، أنّ “مخالفة القوانين هي السبب الرئيسي للفصل اليوم، وهذا يشمل المعلمين الأتراك، وهناك تنسيق بين الدوائر التركية ووزارة التربية لمعرفة أسماء المخالفين وتقدير العقوبات بما فيها الفصل”، نافياً أن يكون هناك خطة لفصل المعلمين السوريين قبل انتهاء العقد القابل للتجديد، نظراً لحاجة المدارس التركية التي تضم طلاباً سوريين إلى معلمين سوريين.

وأكد ديمير أن قضية فصل المعلمين مدرجة على جدول اجتماع اللجنة المقبل، وأنه تواصل مع المعنيين في العاصمة أنقرة لمعرفة الأسباب، وأوضح أن لمدير المدرسة دورا في فصل المعلم، إذ هناك شروط تتعلق بالدوام والالتزام ودورات التأهيل وإجادة اللغة على الأقل بحسب مستوى A2.

من جهته يرى المعلم حازم العلي، عضو رابطة المعلمين السوريين، أن أسباب فصل المعلمين تتعلق بمخالفات لشروط العقد (تزوير) أو لمخالفات قانونية، وهي لأعداد محددة، مستبعداً فصل المعلمين السوريين على الأقل قبل أن ينتهي العقد الموقع مع “يونيسف” منتصف العام المقبل، علماً أن هذا العقد قابل للتجديد.

وفي ذات السياق يؤكد أحد المدرسين أن “هناك بعض الشائعات التي تقول إنه سيكون هناك فصل تدريجي لتقليص عدد المعلمين إلى النصف، وبالتالي تزداد أجورنا المثبتة منذ العام الماضي، لكن على الأرجح، لن يكون هناك فصل جماعي كما بدأ يشاع، لأن للمعلم السوري بعد دمج التلاميذ السوريين في المدارس التركية، مهام تتعلق بالترجمة والتواصل مع الأهل والإشراف عليهم، وهي مهام لا يقوم بها المعلمون الأتراك”.

ويضيف المدرس: “الحديث يدور عن إنهاء العقود في نهاية العام الحالي وليس بشكل مفاجئ، على أن تبقى العقود مبرمةً مع حملة الشهادات الجامعية والماجستير فقط، مع اشتراط حصولهم على شهادة المستوى الثاني في اللغة التركية”.

المعلمون وحقوق الانسان

يعاني المعلم السوري في بلدان عديدة من التمييز في الأجور وحقوق العمل من إجازات وحوافز متفرقة، وتنص المادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه لكل شخص الحق في العمل، وله حرية اختياره بشروط عادلة مرضية كما أن له حق الحماية من البطالة، كما أن لكل فرد دون أي تمييز الحق في أجر متساوٍ للعمل.

وفي ذات الوقت يجب على المدرّس أن يعمل على نفسه من خلال تطوير لغة البلد الذي لجأ إليه أو أقام فيه، ويجب عليه العمل على الالتزام بالمعايير الموضوعة من قبل المؤسسة التي يتبع لها، وفي ظل عمليات الدمج الحالية وعدم صدور أي قرار رسمي حتى الآن، يبقى مستقبل المعلم السوري من حملة الشهادات المتوسطة والثانوية ضبابياً، بانتظار صدور المزيد من القرارات والتوضيحات مستقبلاً.

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “JHR”صحفيون من أجل حقوق الإنسان” بتمويل من برنامج عالم كندا Global Affaris Canada